متى أصبحت الصداقة بالميزان؟

مؤخرًا، بدأنا نسمع عبارات ترسم ميزانًا جديدًا للعلاقات:
لا تعطِ أكثر مما تأخذ .
عامله بالمثل.
لا تبادر إذا لم يبادر.
إذا لم يسأل عنك، لا تسأل عنه.
أعطِ كل شخص بقدر ما يعطيك .
تبدو هذه العبارات في ظاهرها دعوة إلى حماية الإنسان من العلاقات التي تستنزفه، وهي فكرة مفهومة حين تكون العلاقة قائمة فعلًا على طرف يأخذ باستمرار ولا يقدم شيئًا في المقابل.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول النصيحة إلى قاعدة نحكم بها على كل علاقة.
فجأة يصبح لكل شيء حساب.
أنا اتصلت آخر مرة، إذن عليه أن يتصل هذه المرة.
أنا دعوتها إلى منزلي مرتين، لماذا لم تدعني؟
واسيتها عندما كانت حزينة، لكنها لم تقف معي بالطريقة نفسها.
اشتريت لها هدية بهذه القيمة، بينما هديتها لي كانت أبسط.
سألت عنها ثلاث مرات، وهي سألت عني مرة واحدة.
وهكذا تتحول الصداقة من علاقة نعيشها إلى دفتر حسابات غير معلن يحتفظ فيه كل طرف بما قدمه وينتظر المقابل.
لكن هل كانت العلاقات الإنسانية يومًا بهذه الدقة؟
الصداقة الجيدة تحتاج بالتأكيد إلى الأخذ والعطاء. ولا يستطيع إنسان أن يستمر طويلًا في علاقة لا يجد فيها اهتمامًا ولا سؤالًا ولا حضورًا ولا تقديرًا.
لكن التبادل شيء، والتطابق شيء آخر تمامًا.
فالصديق لا يعيد إلينا دائمًا ما قدمناه بالقدر او الشكل نفسه.
قد تكون أنت الشخص الذي يتصل أكثر، بينما يكون هو الشخص الذي يجيد الاستماع عندما تحتاج إلى الحديث.
قد تتذكر أنت المناسبات، بينما تجده هو أول الحاضرين عندما تمر بظرف صعب.
وقد تواسي صديقتك أيامًا عندما تمر بأزمة، ثم تمر أنت بعد أشهر بيوم سيئ، فلا تعرف هي كيف تقول الكثير، لكنها ترسل لك جملة بسيطة في الوقت المناسب، أو تجلس معك ساعة، أو تأخذك إلى مكان تحبه، فتعود إلى منزلك أفضل مما خرجت منه.
فهل نحسب الساعات؟
وهل نقيس عدد الكلمات؟
ومن قال أصلًا إن العطاء بين شخصين يجب أن يأتي بالصورة نفسها؟
لقد ساهمت بعض الآراء في نشر تصور شديد الحساب للعلاقات. فأصبح الإنسان يُطلب منه باستمرار أن يقيّم من حوله : من يضيف إليك؟ من يستحق وقتك؟ من يفيدك؟ من يستنزفك؟ ومن يجب أن تخرجه من حياتك؟
وهي أسئلة قد تكون ضرورية أحيانًا، خصوصًا في العلاقات المؤذية أو الأحادية، لكن تكرارها بلا تمييز قد يجعلنا ننظر إلى الناس كما ننظر إلى الأشياء:
ما الفائدة التي أحصل عليها من وجود هذا الشخص؟
وهنا تفقد الصداقة جزءًا من معناها.
لأن بعض الناس لا يقدمون لنا فائدة يمكن كتابتها في قائمة.
لا يجدون لنا وظيفة.
ولا يحلون مشكلاتنا.
ولا يقدمون لنا خدمة كلما التقينا.
ولا يملكون نصيحة لكل مأزق.
لكننا نجلس معهم ساعتين نتحدث في أشياء عادية، ونضحك، ونستعيد مواقف قديمة، ونشرب القهوة، ثم نعود إلى منازلنا أخف مما كنا.
ماذا قدم هذا الصديق؟
إذا استخدمنا منطق المنفعة الصارم، ربما لا شيء.
لكن إذا نظرنا إلى جودة الوقت الذي قضيناه معه، فقد قدم الكثير.
هناك علاقات تكمن قيمتها في الصحبة نفسها.
في أن يكون هناك شخص تستطيع أن تكون معه دون أداء دور.
شخص تستطيع أن تحكي له قصة لا أهمية لها، ومع ذلك يسمعها.
أن ترسل له شيئًا أضحكك لأنك تعرف أنه سيفهم لماذا أضحكك.
أن تجلسا أحيانًا ولا يكون لديكما موضوع مهم أصلًا.
هذه الأشياء يصعب قياسها، لكنها من الأشياء التي صنعت الصداقة منذ عرفها البشر.
حتى العبارة الشائعة اليوم: «عامله كما يعاملك» تبدو عادلة، لكنها إذا طبقت حرفيًا قد تفسد علاقات كان يمكن أن تستمر سنوات.
إذا توقف هو عن السؤال، أتوقف أنا.
إذا تأخرت هي في الرد، أتأخر.
إذا لم يدعني، لن أدعوه.
ثم يجلس الطرفان في مكانين مختلفين، وكل واحد منهما ينتظر الآخر حتى يثبت أنه يستحق العلاقة.
وفي النهاية قد تنتهي صداقة لم يكن فيها شخص سيئ أصلًا.
كان فيها فقط شخصان يحسب كل منهما دوره.
وهذا لا يعني أن نقبل علاقة يكون فيها العطاء من طرف واحد إلى الأبد.
هناك فرق واضح بين اختلاف طرق التعبير وبين الإهمال المستمر.
إذا كان شخص لا يتذكرك إلا عندما يحتاج إلى خدمة، ولا يسأل عنك، ولا يهتم بما تمر به، ولا يجد لك وقتًا إلا عندما يناسبه، فمن الطبيعي أن تعيد النظر في مكان هذه العلاقة في حياتك.
لكن العلاقات الطبيعية لا تحتاج إلى ميزان يعمل بعد كل موقف.
المهم ليس أن يعيد إليك الشخص كل ما أعطيته، بل أن تشعر أن وجودك يعني له شيئًا أيضًا.
فالصداقة تمر بمراحل غير متساوية.
قد يكون أحدكما في سنة صعبة فيحتاج الآخر أكثر.
وقد يصبح مشغولًا بأطفاله أو أسرته فترة من الزمن.
وقد يمرض أحدكما فيصبح الآخر هو الذي يسأل ويزور ويهتم.
ثم تتغير الحياة وتتبدل الأدوار.
لو طالبنا بالمساواة في كل مرحلة، لما صمدت كثير من العلاقات الطويلة.
ربما لهذا نحتاج إلى التمييز بين العلاقة المتبادلة والعلاقة المحاسبية.
الأولى تقول:
أنا موجود لك، وأعرف أنك موجود لي، وإن اختلفت الطريقة والتوقيت.
أما الثانية فتقول:
فعلت لك شيئًا، وأنت الآن مدين لي بمثله.
الأولى صداقة.
والثانية أقرب إلى صفقة طويلة الأجل.
ولا يفترض أن تكون كل علاقة في حياتنا مفيدة بالمعنى المباشر.
فبعض العلاقات لا تضاف إلى سيرتنا الذاتية، ولا تزيد دخلنا، ولا تحل مشكلاتنا… لكنها تجعل يومًا عاديًا أكثر احتمالًا، وهذا أيضًا عطاء.

كلام جميل جداً ومفيد وواقع ملموس
كلام جداً جميل وواقع ملموس
صحيح فعلا
جيد