كفاية قراءة طول السنة!

منذ تبدأ الإجازة الدراسية .
وأول ما نفكر فيه غالبًا هو كيف نرفّه عن أبنائنا بعد عام طويل من الدراسة.
نسافر.
نسجلهم في نادٍ.
نأخذهم إلى السينما.
نترك لهم وقتًا أطول للألعاب والهاتف.
نخطط للمطاعم والزيارات والرحلات، ونشعر أننا بذلك نعوضهم عن أشهر الدراسة والواجبات والاختبارات.
لكن نادرًا ما نسمع أبًا يقول لابنه في بداية الإجازة:
هذا كتاب جميل… اقرأه.
بل ربما تكون الإجابة جاهزة:
(خله يرتاح… يكفيه طول السنة كتب ومذاكرة)
وهنا تحديدًا توجد مشكلة لم ننتبه إليها.
لقد خلطنا بين التعليم والتثقيف.
فالكتاب المدرسي يُقرأ غالبًا لأن خلفه اختبارًا.
أما الكتاب الذي يختاره الطفل في الإجازة، فيقرأه لأنه يريد أن يعرف ماذا سيحدث في الصفحة التالية.
الأول مرتبط بالمنهج والدرجات والواجبات.
والثاني يبني علاقة مختلفة تمامًا بين الإنسان والقراءة.
وهذه العلاقة تحديدًا هي التي بدأ أكاديميون في الغرب يدقون ناقوس الخطر بشأن اختفائها.
ففي الجامعات الأمريكية، أصبح أساتذة يتحدثون علنًا عن طلاب يصلون إلى الجامعة وهم قادرون على قراءة صفحات ومقتطفات وملخصات، لكن قراءة كتاب كامل أصبحت بالنسبة إلى بعضهم مهمة شاقة.
وفي تحقيق نشرته احدى الصحف هذا الصيف، وصل النقاش إلى ما هو أبعد من الهاتف ووسائل التواصل؛ فالمدارس نفسها أصبحت في حالات كثيرة تعتمد النصوص القصيرة والمقتطفات بدل مطالبة الطلاب بقراءة الأعمال كاملة.
أي أننا نربي عقلًا ممتازًا في التقاط المعلومة، لكننا قد نفقد بالتدريج قدرته على البقاء معها.
وهذا هو الفرق بين القراءة السريعة والقراءة العميقة.
أن تقرأ ثلاثمائة صفحة يعني أن تحتفظ بشخصيات وأفكار وأحداث في ذهنك، وأن تربط ما قرأته اليوم بما قرأته قبل أيام، وأن تتوقف أمام فكرة لا تفهمها، ثم تكمل حتى يتضح معناها لاحقًا.
الكتاب لا يعطيك كل شيء في ثلاثين ثانية.
وهذا ربما أحد أسباب أهميته في عصر يعطي الطفل كل شيء تقريبًا في ثلاثين ثانية.
فالمحتوى الرقمي الحديث درّبنا ببراعة على الانتقال:
اسحب.
شاهد.
اضحك.
تجاوز.
التالي.
أما الكتاب فيطلب شيئًا آخر تمامًا:
ابقَ.
ابقَ مع الفكرة.
ومع الشخصية.
ومع السؤال الذي لم تجد إجابته بعد.
ومع الصفحة التي لم تكن ممتعة جدًا.
وهذه القدرة على البقاء ليست مهارة أدبية فقط؛ إنها جزء من قدرتنا على التركيز والفهم وربط الأفكار.
وتشير بيانات الدراسات حديثاً إلى ارتباط الاستمتاع بالقراءة وممارستها بانتظام بتحسن مهارات القراءة والمفردات والفهم، كما ارتبطت القراءة المستقلة بالتعلم الذاتي والتطور في مهارات أخرى.
ولهذا ربما علينا أن نعيد التفكير في معنى إجازة من الدراسة.
الإجازة يجب أن تكون إجازة من الاختبارات والواجبات والاستيقاظ المبكر وضغط الدرجات.
لكن لماذا تكون إجازة من المعرفة أيضًا؟
لا نريد من الطفل أن يقضي إجازته على المكتب.
ولا أن يحول الأب كتاب الصيف إلى واجب جديد ثم يسأله بعد كل فصل: «ماذا فهمت؟»
فهكذا سننجح فقط في جعله يكره الكتاب بطريقة أكثر كفاءة.
الفكرة أبسط.
اصطحبه إلى مكتبة كما تصطحبه إلى متجر الألعاب.
دعه يختار ما يعجبه، حتى لو لم يعجبك اختياره.
رواية.
قصة غموض.
فضاء.
ديناصورات.
كرة قدم.
سيرة شخص يحبه.
تاريخ.
قصص مصورة.
لا تبحث دائمًا عن الكتاب «المفيد» الذي تريد أنت أن يقرأه.
ابحث أولًا عن الكتاب الذي سيجعله يريد أن يقرأ الكتاب التالي.
وإذا أردنا أن تصبح القراءة جزءًا طبيعيًا من الإجازة، فلا يكفي أيضًا أن نضع كتابًا في يد الطفل بينما جميع الكبار في المنزل ملازمين للشاشة.
فالطفل الذي يرى والديه يقرآن يتعلم شيئًا مختلفًا عن الطفل الذي يسمع منهما محاضرة عن أهمية القراءة.
يمكن أن يكون للبيت وقت هادئ للقراءة.
نصف ساعة فقط.
مجرد قراءة.
فالتعليم قد ينتهي بانتهاء الفصل الدراسي، أما التثقيف فلا يفترض أن تكون له إجازة.
