صحتك النفسية تستحق الاهتمام… لا تعاني بصمت

هناك أشخاص نراهم كل يوم ولا يخطر ببالنا أنهم يمرون بشيء.
يذهبون إلى أعمالهم، ينجزون المطلوب، يضحكون في المجالس، يردون على الرسائل، يهتمون بأسرهم، وقد يكونون أول من يقف بجانب الآخرين عندما يحتاجون إليهم.
ثم يعودون إلى منازلهم ويحملون وحدهم ما لم يظهروه لأحد.
فالضيق النفسي لا يملك دائمًا مظهرًا واضحًا.
ليس كل من يعاني يبكي أمام الآخرين، وليس كل من يبتسم سعيدًا، كما أن استمرار الإنسان في أداء مسؤولياته لا يعني بالضرورة أنه بخير.
بعض الناس يتقنون الاستمرار رغم أنهم متعبون من الداخل.
وهنا تكمن إحدى المشكلات: أننا كثيرًا ما ننتظر حتى تصبح المعاناة شديدة قبل أن نعتبرها جديرة بالاهتمام.
نقول لأنفسنا:
«بكرة أكون أفضل.»
«مجرد فترة وتعدي.»
«غيري عنده مشاكل أكبر.»
«ما يحتاج أكبر الموضوع.»
فنؤجل الحديث، ونعتاد الشعور، وقد تمر أسابيع أو أشهر بينما نحاول إدارة كل شيء وحدنا.
ولا يساعد على ذلك أن بعض الناس ما زالوا يتعاملون مع طلب المساعدة النفسية بحرج أكبر من طلب المساعدة في أي مشكلة أخرى.
نذهب إلى الطبيب عندما يستمر الألم الجسدي.
نسأل المختص عندما تواجهنا مشكلة قانونية أو مالية.
نطلب النصيحة عندما يتعطل شيء لا نعرف إصلاحه.
لكن عندما يتعلق الأمر بالنفس، قد يعتقد الإنسان أنه مطالب بأن يعرف وحده كيف يصلح كل ما يحدث داخله.
والحقيقة أن الاهتمام بالصحة النفسية لا يبدأ بالضرورة داخل عيادة.
قد يبدأ باعتراف بسيط:
أنا لست بخير هذه الفترة.
أن تقولها لشخص تثق به.
أن تتوقف عن الإجابة التلقائية بـ«تمام» عندما لا تكون كذلك.
أن تسمح لأحد بأن يعرف أنك تمر بوقت صعب.
فأحيانًا لا نحتاج في البداية إلى شخص يحل المشكلة، وإنما إلى شخص يسمعها.
وهنا أيضًا تقع مسؤولية على من يستمع.
فعندما يقول لك شخص إنه متعب نفسيًا، ربما لا يحتاج فورًا إلى محاضرة عن الإيجابية.
ولا إلى مقارنة حياته بحياة من يعانون أكثر.
ولا إلى جملة سريعة مثل:
«لا تفكر كثير.»
«اطلع وغير جو.»
«أنت مكبر الموضوع.»
فالكلمة التي نقولها بنية التخفيف قد تجعل الطرف الآخر يشعر أن ما يمر به لا يستحق الحديث، فيعود إلى الصمت مرة أخرى.
أحيانًا تكون جملة:
«أنا سامعك… احكي لي.»
أكثر فائدة من عشر نصائح.
والاهتمام بالصحة النفسية يعني أيضًا أن نلاحظ التغيرات التي تستمر.
أن يفقد الإنسان اهتمامه بأشياء كان يحبها.
أن ينسحب باستمرار من الناس.
أن تتغير عاداته في النوم أو الأكل بصورة ملحوظة.
أن يصبح القلق أو الحزن أو الانفعال حاضرًا معظم الوقت.
أن يجد صعوبة في أداء مسؤولياته المعتادة.
هذه أمور تستحق ألا نتجاهلها، خصوصًا عندما تستمر أو تبدأ بالتأثير في الحياة اليومية.
وطلب المساعدة المتخصصة في هذه الحالة لا يحتاج إلى انتظار انهيار كامل.
فالاستشارة النفسية يمكن أن تكون مساحة لفهم ما يحدث، وترتيب الأفكار، وتعلم طرق أفضل للتعامل مع الضغوط والمشاعر والمواقف التي أصبح حملها منفردًا صعبًا.
كما أن الاهتمام بالنفس لا يقتصر على العلاج بعد ظهور المشكلة.
النوم الكافي، والحركة، والعلاقات الجيدة، والوقت بعيدًا عن ضغوط العمل، والقدرة على وضع حدود لما نستطيع تحمله، كلها أجزاء من العناية بالصحة النفسية.
لكن حتى الإنسان الذي يفعل كل ذلك قد يمر بوقت يحتاج فيه إلى مساعدة.
فالحياة لا تمنح الجميع الظروف نفسها، ولا يستجيب الناس للظروف بالطريقة نفسها.
وما يبدو بسيطًا لشخص قد يكون ثقيلًا على آخر.
لهذا ربما علينا أن نتوقف عن سؤال الإنسان:
«ليش متضايق وعندك كل شيء؟»
فوجود الأشياء الجيدة في الحياة لا يلغي المعاناة النفسية.
يمكن للإنسان أن يحب أسرته ويشعر بالحزن.
أن ينجح في عمله ويعاني القلق.
أن يكون محاطًا بالناس ويشعر بالوحدة.
وأن يبدو قويًا أمام الجميع بينما يحتاج هو أيضًا إلى من يسأله بصدق:
«وأنت… كيف حالك فعلًا؟»
وربما علينا كذلك ألا نكتفي بالسؤال إذا لاحظنا أن شخصًا قريبًا منا تغير.
اتصل مرة أخرى.
اجلس معه.
استمع إليه.
وشجعه على طلب المساعدة المتخصصة عندما يحتاج إليها.
فبعض الناس لا يطلبون المساندة بسهولة، وقد تكون ملاحظة صادقة من شخص قريب أول باب يفتحونه بعد صمت طويل.
وفي النهاية، لا ينبغي أن ننتظر حتى تصبح النفس عاجزة عن الاحتمال كي نهتم بها.
نحن نستحق أن نطلب المساعدة قبل أن نصل إلى آخر قدرتنا على التحمل.
ونستحق أن نتحدث قبل أن يصبح الصمت أثقل من الكلام.
فالصحة النفسية جزء من صحتنا، وما يؤلمنا من الداخل يستحق الاهتمام أيضًا.

موضوع قيم شكرا
نعم نستحق