مقالات

استعد لوظيفة المستقبل… قبل أن تتخرج

يتخرج الطالب من الجامعة، يحمل شهادته، يفتح أحد مواقع التوظيف، يجد وظيفة تناسب تخصصه، ثم تظهر أمامه أول عقبة:

أرسل سيرتك الذاتية.

وهنا يكتشف بعض الخريجين أنهم أمضوا سنوات يتعلمون كيف ينجحون في الاختبارات، لكنهم لم يتعلموا كيف يقدمون أنفسهم لسوق العمل.

كيف تُكتب السيرة الذاتية؟

ماذا يوضع فيها؟

كيف يكتب خريج لا يملك خبرة عن نفسه؟

ما المهارات التي يبحث عنها صاحب العمل؟

كيف يستعد للمقابلة؟

وكيف يجيب عن سؤال بسيط مثل: «حدثني عن نفسك» دون أن يعيد قراءة اسمه وتخصصه وعمره الموجود أصلًا أمام المحاور؟

هذه ليست تفاصيل تأتي بعد التخرج.

هذه جزء من الاستعداد له.

ولهذا تلفت الانتباه الدورات التي تقدمها الجامعات والجهات التعليمية ، ودورات كتابة السيرة الذاتية، والاستعداد للمقابلات، والمهارات المهنية.

المشكلة أن بعض الطلاب ينظر إلى الدورة الاختيارية باعتبارها عبئًا إضافيًا.

«يكفيني الجامعة.»

«آخذها بعدين.»

«أنا لسه ما تخرجت.»

ثم يأتي «بعدين» أسرع مما كان يتوقع.

وتظهر المفارقة: قد يقضي الطالب أربع أو خمس سنوات للحصول على المؤهل الذي يؤهله للتقدم إلى الوظيفة، ثم لا يريد أن يقضي بضع ساعات ليتعلم كيف يتقدم إليها أصلًا.

وسوق العمل نفسه تغير.

الشهادة ما زالت مهمة، لكنها لم تعد تحكي القصة كاملة. أصبحت هناك مهارات مرتبطة بكل مهنة، وشهادات مهنية، وخبرات تدريبية، ومشروعات، وقدرة على استخدام التقنية، والتواصل، وحل المشكلات، والمشاركات التطوعية , وتقديم الذات بصورة مهنية.

وفي سوق العمل الان يعتد بالتصنيف المهني للمهارات ويربط المهن بالمهارات المطلوبة لها، ويوجد آلاف المهارات والوظائف بهدف تقريب ما يتعلمه الفرد مما يحتاج إليه سوق العمل.

أي أن السؤال لم يعد فقط:

ماذا درست؟

هناك سؤال آخر ينتظر الخريج:

ماذا تستطيع أن تفعل بما درست؟

وهذا السؤال يفترض أن يبدأ الطالب في الإجابة عنه قبل حفل التخرج بوقت طويل.

طالب في السنة الأولى أو الثانية يستطيع أن يبدأ بتعلم برنامج يخدم تخصصه.

وفي السنة التالية يمكنه الالتحاق بدورة، أو المشاركة في نشاط، أو تنفيذ مشروع صغير.

ثم يأتي التدريب التعاوني أو الصيفي ليمنحه أول احتكاك حقيقي ببيئة العمل.

وبمرور السنوات، لا يصل إلى التخرج بورقة واحدة اسمها «الشهادة»، وإنما بملف يستطيع أن يتحدث عنه.

وهنا تظهر أهمية السيرة الذاتية.

فالسيرة الذاتية ليست قالبًا جميلًا نضع فيه الاسم والمؤهل ورقم الهاتف.

إنها أول اختبار لقدرة الخريج على فهم نفسه مهنيًا.

ماذا تعلمت؟

ماذا أنجزت؟

ما البرامج التي تعرف استخدامها؟

ما الدورات التي حصلت عليها؟

هل شاركت في مشروع؟

هل تدربت؟

هل تطوعت في شيء يخدم مجالك؟

وما الذي يميزك عن عشرات الخريجين الذين يحملون المؤهل نفسه؟

وقد وجدت دراسة منشورة عام 2025 حللت السير الذاتية لطلاب جامعيين أن الخبرة قبل التخرج والمشاركة في الدورات التدريبية ترتبطان بتنمية وإظهار مهارات القابلية للتوظيف.

وهذا يعيدنا إلى مشكلة أكبر من طريقة كتابة الـCV.

السيرة الذاتية الفارغة لا تعالجها الصياغة الجميلة وحدها.

إذا وصل الطالب إلى آخر فصل دراسي ولم يتعلم خارج مقرراته، ولم يتدرب، ولم يشارك، ولم يبنِ مهارة إضافية، فماذا سيكتب؟

اسم الجامعة.

التخصص.

المعدل.

ثم مساحة كبيرة يحاول ملأها بعبارات عامة مثل:

«أعمل تحت الضغط.»

«أحب العمل الجماعي.»

«سريع التعلم.»

بينما كان يستطيع خلال سنوات الجامعة أن يصنع الأشياء التي سيكتب عنها بدل البحث في أسبوع التخرج عن كلمات تملأ الصفحة.

ولا يعني هذا أن يجمع الطالب عشرات الشهادات لمجرد زيادة عدد الأسطر في سيرته الذاتية.

الدورة التي لا تضيف مهارة يحتاجها، ولا يستطيع تطبيق ما تعلمه فيها، لن تصبح ذات قيمة لمجرد وجود شهادة حضور.

الأهم أن يعرف الطالب الوظائف التي يمكن أن يقوده إليها تخصصه، ثم ينظر إلى متطلباتها، ويبدأ في سد الفجوة بين ما تمنحه الجامعة وما سيطلبه العمل.

وهناك اليوم فرص كثيرة لذلك، وبعضها إلكتروني وقصير ومتاح دون أن يعطل الدراسة. بل توجد برامج سعودية مخصصة أصلًا للجاهزية المهنية، تتناول الانتقال إلى سوق العمل والمهارات التي يحتاجها الشاب قبل دخوله إليه.

لكن الفرصة التي لا نسجل فيها، والدورة التي نؤجلها، والمهارة التي نقول إننا سنتعلمها «بعد التخرج»، لن تظهر فجأة في سيرتنا الذاتية يوم نحتاج إليها.

ربما لهذا يجب أن يتغير السؤال الذي نطرحه على الطالب في الجامعة.

بدل أن نسأله كل عام:

كم بقي لك وتتخرج؟

لنسأله أحيانًا:

لو تخرجت غدًا… ماذا ستضع في سيرتك الذاتية؟

لأن الاستعداد للوظيفة لا يبدأ عندما تصل رسالة «مبروك التخرج».

يبدأ قبل ذلك بسنوات.

اظهر المزيد

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى