محلياتمقالات

ما الذي كبُر معنا أيضًا ؟

كل منّا عاش صدمات طفولة ، البعض لا يزال يعيشها كل يوم ، لحظةٍ بلحظة ، والبعض استطاع بشجاعة وإرادة أن يحوّلها لمصدر قوة ، والبعض مازال يُعاني بصمت ، والبعض يحملها داخل قلبه لتُثقله عن الوصول لطموحاته وأهدافه فتؤخره سنواتٍ طويلة ، والبعض كرّس نفسه ووقته وفكره وجهده وماله كلّه من أجل اكتشاف هذه الصدمات ومعالجتها ليصل إلى التشافي الأعمق والأعظم .

أحياناً نتعرض لأذى نفسي وعاطفي ونكوّن معتقد وبرنامج داخلنا يرى العالم كله من خلال هذا المعتقد ، كأن يتعرّض أحدهم للعنف الجسدي واللفظي فيفقد شعور الأمان دائمًا و يتخبّط يمينًا ويسارًا ليجده ويعيش به . كأن يهجر أحدهم طفلاً وتنشأ عقدة ومعتقد لدى هذا الطفل ( اللذين أحبّهم سيتركونني ويهجرونني) ويبقى خائفاً طوال عمره من فكرة الفقد والوداع والمغادرة أو أن يهجره أحدهم فيقوم هو بهجرتهم أولاً ، أو تجده عالقًا في أوضاعٍ لا تناسبه ولا تليق به فقط لأن هذا الجرح لا زال ينزف وبشدة . كأن يتربّى طفلاً بين أحضان والديه لكن أحدهم جاف وقاسي لا يُعبّر عن حبه لأطفاله ولا يعرف كيف يقول لهم أنا أحبكم رغم أن كل أفعاله تقول ذلك وبصوتٍ عالي جدًا لكن يشاء القدر أن يُرزق هذا الأب – أو هذه الأم – بطفلاً لغة حبه هي التعبير بالكلمات وليست بالأفعال فيكبر وهو يظن بأنه غير محبوب وغير مرغوب وغير مهم بالنسبة لوالديه ، – لا نُلقي اللوم على الأبوين أبدًا ، فعلوا كل ما باستطاعتهم وكثّر الله خيرهم على كل جميلٍ بذلوه من أجل فلذات أكبادهم ، ولا ننسى أنهم أيضًا مرّوا بتجارب قاسية ومعتقدات شكّلت حياتهم وطريقة تعاملهم مع أنفسهم وأطفالهم والعالم من حولهم وربما مازالت إلى الآن جروحهم تنزف بصمت .

من المؤلم أن نكبُر و تكبُر أحزاننا و أوجاعنا معنا : كالخوف ، الرفض ، التجاهل ، الهجر ، والقسوة …وغيرها من المشاعر والمواقف الصعبة التي نواجهها في طفولتنا اليومية ، والمؤلم أكثر أن تكبر هذه المشاعر حتى تُصبح أعراضًا جسدية مُتعبة أو تُشكّل كُتلاً وحواجز تقف بيننا وبين علاقاتنا الطيبة والصحية ، جبالاً تُعيقنا من السعي إلى طموحاتنا ، عوائق كبيرة تمنعنا من الوصول لأهدافنا وللحياة التي نستحق أن نعيشها ، وللرفاهية التي نرغب بها ، و للسلام الذي نتوق إليه ، وإلى العزة والرفعة التي تليق بنا .

من وجهة نظري المتواضعة أرى أن أكثر الجروح أو الصدمات إيلامًا تلك التي تجعلك تفقد ثقتك بكل من حولك ، تكون مُستعد طوال الوقت أن تقوم حربًا عالمية بينكما ، تستبق الأحداث وتختلق مئات السيناريوهات في عقلك بأنه تجاوز حدودك واخترق مساحتك وخان ثقتك وغدر بك وأنه لا يستحق البقاء في حياتك ، والأدهى والأمر أن أن قلبك وجميع حواسك تصدّق خيالك وعقلك لتجذبه كواقع حقيقي يؤكد على جرحك – هكذا قانون الجذب يعمل –

لطالما ذكرتُ بأن الوعي نعمة ، والمعرفة نعمة والعلم قوة وسلاح عظيم ، أن تكون واعيًا ولديك علم ومعرفة بالمشكلة فهذا نصف حلّها ، بقي عليك النصف الآخر تجتهد وتبحث عن آليات وتقنيات عديدة لإيقاف نزيف جرحك ، لكن أن تكون واعيًا به يا لها من نعمة عظيمة نشكر الله عليها في كل لحظة وكل دقيقة وكل ثانية .

وبالطبع مثلما نحنُ حريصون أن نكبُر نجاحًا ومكانةً عالية ونزداد علمًا وعلوًا وشأنًا عظيمًا ، علينا أن نكون حريصون أيضًا في اختيار ما الذي سيكبر معنا ، نختار ذلك بوعي وحكمة وانتباه ، ونخلق علاقة عكسية بين زيادة حجم نجاحنا ونقصان حجم آلامنا ، فكلما كبرت أفراحنا ونجاحاتنا كلما نقصت أحزاننا وإخفاقاتنا و العكس غير صحيح ، حتى إن لم نستطع أن نُقلل أو نُصغر من حجم آلامنا وأثقالنا ، على الأقل لا نسمح لها أن تكبر أو تزداد أو تتوسع أكثر ، نضع لها حدًا واضحًا لا تتجاوزه مُطلقًا .

في الختام ، سؤالي لك ياعزيزي القارئ الوقور ، بصدق مع ذاتك وبكل وضوح وشجاعة أجبني : ما الذي كبُر معك أيضًا ؟

محبتي الخالصة : همس الحربي .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى