مقالات

الأسبوع الأول من الدراسة… لماذا تخلو بعض المقاعد؟

مع كل عودة إلى المدارس، يتكرر مشهد يعرفه كثير من المعلمين والأسر: يبدأ العام الدراسي رسميًا، بينما تتأخر عودة عدد البعض من الطلاب عدة أيام، وأحيانًا أسبوعًا كاملًا. ومع تكرار الظاهرة عامًا بعد عام، تكوّن اعتقاد اجتماعي بأن الأيام الأولى مرحلة تمهيدية يمكن تجاوزها، وأن الدراسة «الحقيقية» تبدأ لاحقًا.
هذه الفكرة تستحق التأمل؛ لأن الأسبوع الأول يؤدي وظيفة أكبر من كمية الدروس التي تُشرح خلاله.
فالطالب يعود من إجازة طويلة تغيّرت خلالها مواعيد نومه واستيقاظه، وابتعد عن روتين المدرسة، وأصبح يومه أكثر مرونة. وتأتي الأيام الأولى لتعيد ترتيب هذا الإيقاع تدريجيًا: الاستيقاظ صباحًا، والعودة إلى الفصل، والتعرف إلى الجدول والمعلمين، واستعادة التواصل مع الزملاء، والتهيؤ النفسي والذهني لفترة دراسية جديدة.
ولهذا تهتم أنظمة تعليمية أخرى بالحضور منذ البداية. ففي إنجلترا، أظهرت بيانات وزارة التعليم أن 57.4% من الطلاب الذين غابوا يومًا واحدًا على الأقل خلال الأسبوع الأول من العام الدراسي 2024–2025 أصبحوا لاحقًا ضمن فئة الغياب المستمر خلال العام. الرقم وحده لا يثبت أن الغياب في الأسبوع الأول هو سبب الغياب اللاحق، لكنه يجعل البداية مؤشرًا يستحق المتابعة.
وتظهر في دول أخرى صورة قريبة من الظاهرة مرتبطة بتمديد الإجازات العائلية إلى داخل أيام الدراسة. وقد دفعت هذه الممارسات الجهات التعليمية إلى التعامل مع أيام بداية الفصل ونهايته باعتبارها جزءًا فعليًا من التقويم المدرسي، ومتابعة الحضور فيها مثل بقية أيام العام.
أما لدينا، فتزداد الظاهرة قوة عندما تصبح توقعًا جماعيًا. تتوقع بعض الأُسر انخفاض الحضور في الأسبوع الأول، فتؤجل عودة أبنائها. وتفعل أُسرٌ أخرى الشيء نفسه، فينخفض الحضور فعلًا. وفي العام التالي يصبح انخفاض الحضور السابق سببًا إضافيًا لتكرار القرار نفسه.
وهكذا تصنع العادة الدليل الذي تستخدمه للاستمرار.
وتتجاوز المسألة مقدار ما سيفوته الطالب من المنهج. فقد يستطيع تعويض درس أو ورقة عمل بسهولة، بينما تحمل طريقة تعامل الأُسرة مع البداية درسًا آخر عن الالتزام نفسه.
فالطفل يتعلم معنى المواعيد من الممارسة اليومية أكثر مما يتعلمه من النصائح. عندما يعرف أن الإجازة تنتهي في يوم محدد ويعود إلى مدرسته في اليوم التالي، تصبح الحدود بين وقت الراحة ووقت المسؤولية واضحة لديه.
وهذه العادة تكبر معه.
فالطالب الجامعي يحتاج إلى الحضور منذ بداية الفصل، والمتدرب يحتاج إلى احترام بداية برنامجه، والموظف يعود إلى عمله في الموعد المحدد بعد إجازته. جميع هذه المواقف تقوم على مبدأ واحد تعلمه الإنسان منذ سنواته الأولى: لكل مرحلة موعد تبدأ فيه.
وتقع على المدرسة أيضًا مسؤولية في تعزيز قيمة الأسبوع الأول. فكلما كانت البداية منظمة، والجداول واضحة، والحصص قائمة، والأنشطة ذات معنى، شعر الطالب والأُسرة أن الحضور منذ اليوم الأول جزء حقيقي من التجربة التعليمية. قوة البداية تصنعها المدرسة والأُسرة معًا.
كما تستطيع الأُسرة تسهيل الانتقال بعد الإجازة بإعادة مواعيد النوم تدريجيًا قبل الدراسة، وتجهيز المستلزمات مبكرًا، وترتيب الأيام الأخيرة بصورة أهدأ، وربط العودة بلقاء الأصدقاء وبداية مرحلة جديدة. بهذه الطريقة تصبح العودة انتقالًا طبيعيًا من الإجازة إلى الدراسة.
وقد تمر سنوات وينسى الطالب محتوى أول حصة حضرها في عامه الدراسي، بينما تبقى لديه عادة تشكلت من مواقف صغيرة تكررت في طفولته: احترام البداية، والحضور في الموعد، والقدرة على العودة إلى المسؤوليات بعد الراحة.
لذلك يستحق الأسبوع الأول مكانته الكاملة في العام الدراسي منذ يومه الأول.
فالإجازة لها آخر يوم، والدراسة لها أول يوم، وبينهما يتعلم أبناؤنا واحدًا من أبسط معاني الالتزام: أن نبدأ عندما يحين وقت البداية.

اظهر المزيد

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى