دعها تمر بلطف ..

إحدى أهم الكتب التي قرأتها في حياتي ولا زلتُ بين فترةً وأخرى أتصفح بعضاً من فصوله هو كتاب ( السماح بالرحيل ) للكاتب العظيم ديفيد هاوكينز . هذا الكتاب يُلخص معنى مشاعر الحياة بشكل مُبسط وجميل ، اقتنيته منذ عام ٢٠١٩ ، و أقمنا لقاءات حوارية لمناقشته عدة مرات ، وإلى هذا اليوم إلى هذه اللحظة في يوم ١٠ سبتمبر ٢٠٢٦ لا زلتُ أتعلّم منه وأدرك معلومات لأول مرة .
فكرته الأساسية والجوهرية : أن نسمح لأنفسنا أن نعيش مشاعرنا كما هي سواءً كانت مشاعر جيدة أو غير جيدة ، نعيشها بلا أي أحكام أو سجون وقيود فكرية أو شعورية ، أن نسمح لمشاعرنا أن تخبرنا رسالتها ثم ترحل بسلام ، أن ندعها تمر بلطف بدلاً من التشبث بها وإغلاق قبضتنا عليها بإحكام .
قد تبدو الفكرة بسيطة كفكرة في العقل ، لكن الصعوبة تكمن أنها مشاعر في القلب ، من الصعب أن تتحكم في قلبك كماذا تشعر وكيف تشعر ولماذا تشعر في لحظة ! من السهل التحكم في سلوكياتنا أقوالنا وأفعالنا ، لكن ماذا عن مشاعرنا ؟ ليس مستحيلاً أن نتحكم بها أيضًا بل هناك مدارس وتقنيات تُعلّمنا كيف نتحكم بمشاعرنا ، وننتقيها كما ننتقي كلماتنا بل كما ننتقي ملابسنا أيضًا . مذهل صحيح؟
نعم كانت هذه ردة فعلي أيضًا عندما سمعت بهذا الأمر ، أُصبت بالدهشة ورأيتُ كثيرًا من المعلمين لديهم هذه القدرة على التحكم والسيطرة على مشاعرهم ، فينعكس تمامًا على ثباتهم وحضورهم الطاغي وتأثيرهم العميق فيمن حولهم .
وعلى النقيض تمامًا هناك جملة شائعة روّجها الكثير من اللذين عانوا من الصدمات العاطفية : “اتبع عقلك وهمّش قلبك” . لم أستطع هضمها منذ قديم الزمان ، قبل أن أقرأ وأفهم وأنضج وقبل أي شيء ، شعرتُ أنها غير صحيحة وأن فيها خطأ فادح قد يرتكبه المرء في حق نفسه .
أن تهمّش قلبك ومشاعرك يعني أن تهمّش نفسك وروحك وكل كيانك ، ومن الصعب أن تعيش وأنت كيانٌ مهمّش بلا مشاعر بلا روح ، الأقرب والأفضل جملة ” اتبع قلبك لكن خذ عقلك معك “. هنا أنت تقوم بالشيء الصائب باتزان وحكمة ، نعم تسمع لصوت قلبك وحدسك ومشاعرك لكن تُمنطّق الأمور وتجعلها واقعية ، لا تندفع خلف عواطفك وقلبك بشدة وتسقط في سابع قاع . أكاد أُجزم أن هؤلاء اللذين مرّوا بتجربة السقوط بسبب اتباعهم لاندفاعية قلوبهم ومشاعرهم هم الأكثر خوفًا ورفضًا لاتباع صوت القلب مُجددًا ، و لا لوم عليهم ولا عتاب وأتفهم جيدًا ردة فعلهم وهذا أمر طبيعي ، لكن الغير طبيعي أن يبقوا أسرى لهذه الصدمة التي توغّلت أعماقهم وصنعت مساحات مُظلمة تمنعهم من رؤية النور والحقيقة بلا ضبابية الجروح والصدمات السابقة .
هناك قانون كوني يقول : ” كما في الداخل كما في الخارج ” – للاستزادة بإمكانك البحث عنه في اليوتيوب تعلّمته من دكتور صلاح الراشد في برنامجه “رسالة من الكون ” ، يقول لنا : عالمك الحقيقي هو بداخلك وكل ما بالخارج ما هو إلا انعكاس ، بمعنى إذا كنت تعاني من أمرٍ ما في الخارج لابد لك أن تعود للداخل لمراجعته وفهمه وإصلاحه .
ما هي أفكارك ؟ معتقداتك ؟ ومشاعرك اتجاه الأمر الذي تُعاني منه الآن في حياتك ؟ بإمكانك إحضار ورقة وقلم وتبدأ بتحديد الموضوع الذي تعاني منه في حياتك ، ولنفترض موضوع الصداقة ، الآن ابدأ بكتابة تعريف الصداقة بالنسبة لك ، ماهي أفكارك عن الصداقة ؟ اكتب اكتب واستمر بالكتابة ، ماهي مشاعرك مع أصدقاءك ؟ هل لديك أصدقاء حقيقيون ؟ هل تثق بهم ؟ هل تهتم لأمرهم ؟ هل تخاف منهم ؟ هل تخشى ان يغدر بك أحدهم ويخون ثقتك؟ اكتب وان تذكرت موقفًا مؤلمًا أو حادثة حصلت لك في صداقاتك اكتبها بتفاصيلها المملة ، استمرّ بالكتابة حتى تشعر أنك اكتفيت ، ثم بعد ذلك قم بإعادة قراءة كل ما كتبته وحاول أن تستنبط أبرز أفكارك ومشاعرك الحقيقية اتجاه الصداقة ، ومن هنا بإمكانك تعديل ما ترغب تعديله .
الجدير بالذكر يا عزيزي القارئ الوقور ، رسم ديفيد هاوكينز في كتابه سُلّم للمشاعر ، كلما تحرر الإنسان من مشاعره وأصبح أكثر خفة كلما استطاع أن يرتقي ويترّقى لشعورٍ أرقى وأسمى ، هناك شعور واحد هو الفيصل ( شعور الشجاعة ) حتى في الكتاب له سهمين بجانبه سهم للصعود وسهم للنزول ، فكل المشاعر التي تحت الشجاعة تعتبر مشاعر مُتدنية كالخوف والغضب والتأنيب والقلق والعار …والخ . وكل المشاعر التي فوق الشجاعة هي مشاعر جيدة كالحب والسلام والبهجة والتقبّل وغيرها إلى أن تصل إلى أعلى درجة وهي مشاعر التنوير التي وصل إليها الأنبياء والرسل .
في رأيي الشخصي الكتاب يُمثل دليلاً للتعامل مع مشاعرنا وفهمها بشكل أعمق و يستحق القراءة والدراسة أيضًا وإن لم تكن تُحب القراءة فبإمكانك الاستماع إليه في ساعات الطريق الطويلة ، تجده في مواقع عديدة كنسخة مسموعة ، أتمنى لك قراءة أو استماع جيّد يُنير لك دروب مشاعرك بكل لطف ومحبة ، وإن أحببت مشاركتي شيئًا فاكتب لي هنا كل ماترغب في التعليقات ، فأنا هنا دائمًا أقرأك .
محبتي الخالصة : همس الحربي .
