جدة… حين يكتب المكان سيرته في القلوب

قد نزور مدنًا كثيرة، نلتقط صورها، ونعرف أسماء شوارعها، ثم تمضي من ذاكرتنا كما جاءت ، لكن هناك مدنًا لا تغادرنا أبدًا، لأنها لا تكتفي بأن تكون مكانًا نراه، بل تتحول إلى جزءٍ من الحكاية التي نعيشها ، وجدة واحدة من تلك المدن.
هي ليست مدينةً تُحفظ في الخرائط، بل مدينة تُحفظ في الوجدان ، ففي كل زقاق من أزقة جدة التاريخية حكاية، وفي كل «روشن» خشبي نافذة تطل على زمنٍ كان الناس فيه يعرفون بعضهم بأسمائهم، لا بأرقام هواتفهم.
وعلى امتداد البحر، حيث تتعانق زرقة الماء مع الأفق، يبدو وكأن الأمواج تحفظ أسرار العابرين ، فكم من حلمٍ وُلد على هذا الساحل، وكم من وداعٍ أخفاه البحر بين أمواجه، وكم من لقاءٍ بدأ بخطواتٍ هادئة على الكورنيش، ثم أصبح ذكرى يطويها الزمن.
ليست قيمة المدن فيما تبنيه من أبراج، بل فيما تبنيه داخل الإنسان. فالمكان الحقيقي هو الذي يترك في القلب أثرًا، ويجعل العودة إليه شوقًا لا عادة.
ولعل هذا هو سر جدة ، فهي تستقبل الجميع، لكنها تمنح كل زائر حكاية مختلفة ، يراها المؤرخ صفحةً من التاريخ، ويقرأها الفنان لوحةً مفتوحة، ويجد فيها البحّار رفيقًا قديمًا، بينما يراها العاشق موعدًا يتجدد كلما لامس نسيم البحر وجهه.
وحين نغادرها، نكتشف أننا لم نتركها خلفنا، بل حملناها معنا؛ في صورةٍ التقطناها، أو رائحة قهوةٍ ارتبطت بمكان، أو دعوةٍ صادقة سمعناها من أحد أهلها، أو لحظة صمتٍ أمام بحرها الواسع.
لهذا، ليست بعض المدن جميلة لأنها مختلفة، بل لأنها تعرف كيف تترك في أرواحنا أثرًا لا يُرى… لكنه لا يزول.
“المكان الذي يلامس روحك… لا يصبح ذكرى، بل يصبح جزءًا منك.”

أبدعت أ. عفاف
جدة بالنسبة لي كالام التي تحتضن ابنتها
حنونة ودافئة للروح
والروح فيها تسعد
ممتنه لما كتبتِ