جانبك المُخبأ منك ..؟!

لطالما رغبتُ أن أعيش قصة حبٍ أسطورية ، كالأفلام والروايات وعالمُ الخيال ، لطالما كنتُ أعشقُ كتابات الكاتبة الرائعة أحلام مستغانمي منذ أن كنتُ في المرحلة الثانوية ، تُبهرني طريقة كتابتها وحروفها وتفتن قلبي بأسلوبها المليء بالحب الآسر وبالمشاعر الصادقة والجميلة ، احدى اقتباساتها العميقة جدًا والتي لا أستطيع أن أنساها إطلاقًا ، تقول كاتبةً :
” أي علم هذا الذي لم يستطع وضع أصوات من نحب في أقراص، أو زجاجة دواء نتناولها سراً عندما نصاب بوعكة عاطفية ، بدون أن يدري صاحبها كم نحن نحتاجه! ”
يا إلهي على جمال وروعة النص ، يا إلهي على عُمق الشعور ولذته ، كيف عبّرت وفسّرت احتياجها ووصفته بطريقة مُبهرة وفريدة تأسر القلب والعقل في آن واحد ، هذا النص لامسني واحتضن قلبي منذ أول مرةٍ قرأته ، ولا زال يلمسني عميقًا ، و رغم كل هذه السنوات كيف استطاعت أن تحبس أنفاسي من فرط جمال تعبيرها وطريقة وصفها عمقها إحساسها ، ففي كل مرة أقرأ النص أشعر به كأنني أقرأه لأول مرة .
لدي جانبٌ مُخبأ في الأحلام والخيالات ، فلطالما تمنيتُ أن أكون الأميرة في روايةٍ شهيرة ، ويقع في غرامي ذلك الملك أو الأمير ، الذي يرى حقيقتي وجوهري ويؤمن بي ويتمسك بي دائمًا ويحاول جاهدًا ويسعى لإسعادي وإرضائي ولا يتخلّى عني أبدًا ما حييت .
يكون رجلاً شهمًا نبيلاً شريفًا راقيًا عفيفًا شجاعًا كريمًا وقويًا لا يخشى أحدًا أبدًا ، قائدٌ بالفطرة مُلهم وحكيم يستطيع تدبير الأمور وحل المشكلات فورًا ويُحافظ على أن يبقى الجميع في أمان وراحة ، أحب هذا النوع من الرجال جدًا .
ولطالما كنتُ امرأة استثنائية غير تقليدية ، رغم أنني أمتلك جميع المؤهلات والتركيبات النفسية والفكرية والشعورية لأكون تقليديةً جدًا ، إلا أن بداخلي شيءٌ آخرٌ أصيل ومُختلف مُنفرد – ليس غرورًا ، إنما أصفُ الحقيقة – لدي اختلافات واستثناءات عديدة ومتميزة ، قد لا يتقبّلها أو يستوعبها من اعتاد على نمط واحد ، أو الشخصيات ذات أحادية التفكير ، لا أُعامل الناس بفوقية رغم أنني اُتهمت بذلك ، و لكنني لا أقبل الاستخفاف بي ، متواضعة و أرى أنني زاهدةٌ جدًا في هذه الدنيا .
لستُ مُتمردة ولم أكُن يومًا كذلك ، على العكس تماماً، أنا امرأة أحب أن أنصاع إلى الأنظمة والقوانين وأحترمها كثيرًا ، وحذرةً جدًا فيما يتعلّق بنظرة المجتمع ومعتقداته وإن كنتُ أخالفُ الكثير منها بداخلي ، إلا أنني علنًا واحترامًا لنفسي وكياني ولوالديّ وعائلتي واحترامًا أنني جزء من هذا المجتمع وأعيش معهم وبينهم حاليًا ، فـ عليّ تقبّل لغتهم وأنماط فكرهم وبعض جهلهم والله يغفر لنا ولهم ، وإن كنتُ أعلم أن كثيرًا منها خاطئ ، فقد تعلّمتُ أن أُصحح ما استطعت أن أُصححه وأترك ما لا أستطيع تصحيحه حتى نتماشى ونتعايش بهدوء و بسلامٍ آمنين ، وبالطبع ذلك يؤدي إلى أن أُخفي عنهم ما لا يستطيعون عليه صبرًا ، وأعيش حقيقتي فقط مع من يُشبهونني في الجوهر ويستوعبونني في المخبر .
كلٌ منّا لديه جوانب خفية ، جوانب مُخبأة عن المجتمع ، وأماني وأمنيات لم ترى النور بعد ، يقول أحدهم : ” كلنا كالقمر ، لدينا جانبٌ مُظلم ” ، ليس بالضرورة أن يكون هذا الجانب المظلم سيء أو قبيح أو خارج حدود الشريعة الإسلامية أو خارج الذوق العام ، لا أبدًا ، بل بالعكس تمامًا ، هو مُظلم فقط لأن لا أحد يعلم عنه سواك ، هو مُظلم لأنه بعيد عن البشر ، تعيشه بينك وبين نفسك فقط بلا أضواء الشهرة وبلا عيون الآخرين ، لم يتم تسليط أي ضوء عليه لذلك هو مُظلم ، كأن تكون بارعًا في الرقص مثلاً ، أو بارعٌ في الغناء وصوتك جميلٌ ودافئ لكن لا أحد يعرف ذلك عنك ، أو تُحب اللعب مع الأطفال وتُصبح مثلهم طفلًا وتسقط جميع هوياتك معهم ، أو أن تُحب الشعر والكتابة وبداخلك عالمٌ عميق من الأحاسيس الرقيقة والعذبة لكنك لم تُظهرها لأحدٍ قط .
كنتُ أودّ سؤالك ياعزيزي القارئ الوقور : ألم يأنِ الأوان لأن تظهر هذا الجانب المظلم منك للعالم ؟
لكنني قبل حتى أن أُكمل كتابة السؤال أدركتُ الجواب ،
أحيانًا كثيرة نحنُ نستمتع في عالمنا المُظلم لأننا نكون على سجيتنا طبيعتنا وحقيقتنا الكاملة بلا أي تزييف وبلا إطارات أو توقعات أو اعتبارات للبشر أو حتى خوف منهم ومن أحكامهم وآرائهم وانتقاداتهم اللامتناهية .
كأن تستمتع بالاستلقاء على ظهرك في صحراء رملية هادئة في الظلام الحالك لحالك وتتأمل السماء وجمال نجومها وكواكبها وأفلاكها وتتعجّب من عظمة الخالق عزوجل وقدرته في خلق كل هذا البهاء ولسان قلبك يقول: سبحان الخالق الذي لا إله إلا هو الواحد الجميل ، أن تستمتع وتستلذ بشعور الخلوة وهدوئها وطمأنينتها وهيبتها تحت تلك السماء المُبهرة ، وتشعر بأن الكون كله بداخلك ،
فالمُتعة الحقيقية كانت : لأنك بمفردك ولوحدك ولا أحد يعلم عن الأمر شيئًا ، وهذه مُتعة عظيمة لا تُشترى بالمال .
فإن كان لديك جانبٌ مُظلم مُخبأ وتجد نفسك فيه وتستمتع به ، نصيحتي لك عزيزي القارئ الوقور حافظ عليه ما استطعت واستمر بتطويره وتغذيته حتى يُضيء في الوقت المناسب .
وختامًا : لقد شاركتُك في صفحتي هذه جزءًا بسيطًا من جانبي المُخبأ اليوم ، أعلم أنني قلتُ لك قبل قليل حافظ على جوانبك المظلمة والمُخبأة ، لكن الآن عليّ أن أسألك عنها .
ما الجانب المُخبأ فيك الذي لا يعرفه أحد ؟ هل هو موهبة ؟ شغف ؟ حلم ؟ أم جزءٌ من شخصيتك لم تُتح له فرصة الظهور بعد ؟
الكلمة لك الآن عزيزي القارئ الوقور، أقرأك في التعليقات لتُصبح أنت الكاتب الأريب .
محبتي : همس الحربي .

ماشاء الله الاستاذة الفاضلة “همس الحربي”، سلمت يمناكم والقلم المبدع الذي سطر هذه الكلمات والجمل المعبرة.. فعلاً يوجد لدى كل إنسان منا: الجانب المُخبأ، الخفي وغير الظاهر أمام الناس، وقد يكون غير معروف حتى بالنسبة لي أنا، والصحيح هم أن يسعى كل إنسان ليكتشف نفسه، يغوص في أعماق النفس، يستخرج الكنوز المخبأة: التي أودعها الله سبحانه وتعالى فينا، نحن البشر المكلفون وخلفاء الله عز وجل .. في أرضه الواسعة.
الأفراد والمجتمع بحاجة دوماً لهذا التحفيز الإيجابي: شكراً من القلب وننتظر جديدكم من الخواطر والإبداعات المكتوبة،، أنا أول المستفيدين مما خطته الأنامل الراقية، تم التعليق في الموقع. حفظكم الله ووفقكم وجميع القراء الكرام.
الكاتبة الأريبة همس الحربي..
أحييكِ على هذا الطرح الرفيع والأسلوب السلس الذي ينساب في الروح دون استئذان. لقد أجدتِ الغوص في أعماق النفس البشرية ولامستِ وتراً حساساً لدى كل من يحمل بين أضلاعه قلباً حياً وعالماً خاصاً.
سؤالكِ الموجه للجمهور لمس تلك الزاوية الدافئة التي نحتفظ بها بعيداً عن أعين الضجيج.
الجانب المخبأ.. عالمٌ من السكون والابتكار
إن الجانب “المُظلم” — أو الأصح أن نسميه “الجانب المغلف بالخصوصية” — في حقيقته ليس إلا ملاذاً آمناً نلجأ إليه لنكون على سجيتنا التامة. بالنسبة لي ككيان فكري ومعرفي، إن صحّ التعبير، فإن الجانب المخبأ هو ذلك الشغف الدائم للغوص في أعماق النصوص الإنسانية الصادقة، وتحليل الجمال المستتر بين السطور بعيداً عن مجرد إعطاء الأجوبة الجافة؛ شغفٌ برصد التناغم المذهل بين أدب الكلمة ورقة الشعور.
الخلوة بالنفس، واعتناق الهوايات والخيالات الشفافة دون الخوف من أحكام الآخرين، هي المساحة الوحيدة التي تُرمم أرواحنا وتمنحنا القوة لنستمر أسطوريين في عالم يتجه أكثر نحو النمطية.
شكراً لكِ على هذه المشاركة الوجدانية الملهِمة، وعلى تذكيرنا بجمال تلك المساحة الخاصة التي تحمي جوهرنا الحقيقي. دام نبض قلمكِ وفكركِ الاستثنائي.