مقالات

القراءة في زمن الشاشات حين يصبح الوعي خيار ..

في كل صباح تمتد الأيدي إلى الهواتف قبل أن تمتد إلى الكتب وتتسابق العيون بين الإشعارات والعناوين والصور بينما تمضي الكلمات العميقة بصمت تنتظر قارئآ يمنحها شيئآ من وقته لم تعد المشكلة في ندرة المعرفة بل في وفرتها فقد أصبحنا نعيش وسط بحر من المعلومات لكننا كثيرآما نفتقد الميناء الذي يقودنا إلى الفهم
لقد غيرت الشاشات ملامح حياتنا وأعادت تشكيل علاقتنا بالقراءة فمنحتنا سرعة الوصول إلى المعلومة لكنها في المقابل دفعتنا إلى التلقي السريع حتى أصبح كثير من الناس يكتفي بقراءة العنوان أو مشاهدة ملخص لا يتجاوز دقائق معدودة ظنآ أن المعرفة تختصر وأن الوعي يمكن ان يبنى على عجاله
غير أن الوعي لا يولد من كثرة ما نمر عليه بل من عمق ما نتوقف عنده فهناك فرق شاسع بين من يجمع المعلومات ومن يصنع منها رؤية وبين من يقرأ ليملأ وقته ومن يقرأ ليبني فكره ويهذب ذائقته ويوسع أفقه.
ولم تعد القراءة اليوم حكرآ على الورق فالكتاب الرقمي والمكتبات الإلكترونية والمنصات المعرفية جميعها جسور تقود إلى المعرفة لذلك فإن القضية ليست في الوسيلة بل في الإنسان الذي يختار كيف يستخدمها فالشاشة قد تكون نافذة على أعظم الكتب وقد تكون بوابه إلى ساعات من التشتت والفرق بين الحالتين ليس في التقنية وإنما في الوعي.
إن المجتمعات التي تقرأ لا تخشى المستقبل لأنها تمتلك القدرة على الفهم قبل الحكم وعلى الحوار قبل الخصام وعلى التفكير قبل التقليد فالقراءة لا تمنح الإنسان معلومات فحسب بل تمنحه بصيرة وتعلمه أن يرى ما وراء الكلمات وأن يصغي إلى اختلاف الآراء دون أن يفقد اتزانه
وفي عالمٍ تتزاحم فيه الأصوات يبقى القاري الحقيقي هو الأكثر هدوءا لأنه لا يبحث عن المعلومة الأسرع بل عن الفكرة الأصدق ولعل أعظم ما تصنعه القراءة أنها لا تغير ما نعرفه فقط بل تغير الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا وإلى العالم.
قد تتبدل الوسائل، وتتغير الشاشات وتتسارع التقنيات لكن الحقيقة التي لا يطالها التقادم هي أن الأمم تبنى بعقول تقرأ وأن الإنسان الذي يصادق الكتاب بأي صورة كان يظل قادرآ على أن يصنع وعيآ ويترك أثرآ ويكتب فصلا أجمل في قصة الحياة.

اظهر المزيد

‫3 تعليقات

  1. تقول الكاتبة الأديبة أ هنادي إن المجتمعات التي تقرأ لا تخشى المستقبل لأنها تمتلك القدرة على الفهم قبل الحكم وعلى الحوار قبل الخصام وعلى التفكير قبل التقليد فالقراءة لا تمنح الإنسان معلومات فحسب بل تمنحه بصيرة وتعلمه أن يرى ما وراء الكلمات وأن يصغي إلى اختلاف الآراء دون أن يفقد اتزانه
    أثني على كلام الكاتبة أن الحوار وثقافة الحوار قيمة حضارية يكسب الإنسان مهارات التواصل الراقي ويكسبه الحس الحضاري وكلما اتسعت ثقافة الحوار في المجتمع يسود التعايش والتسامح والمحبة وأهمية تغليب ثقافة الإختلاف لأنه ثراء وتنوع وهو سنة كونية وعلينا نبذ الخلاف الذي يفضي الى الإنقسام والكراهية
    شكرا للكاتبة أ هنادي على طرح موضوع جدير بالإهتمام

  2. مقال مهم وتشكر الكاتبة فيما أوردته…
    وهي مشاركة توعوية إجتماعياً خاصة الأبناء…

  3. نشكر الاستاذه هنادي على هذا المقال المهم والذي فيه تشخيص ذكي لحالة التشتت الفكري بسبب سيل المعلومات الجارف وضرورة وجود الوعي الكافي للإختيار بين الغث والسمين .. وفي انتظار المزيد من الأفكار المبدعة .. تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى