مقالات

الطيبة حين تتحوّل إلى عادة ، هل نحن طيبون ؟

مساء الخير والمحبة والشوق العظيم الذي أحمله في صدري في هذه اللحظة ، مساء الجمال واللهفة ، مساء الحب و الوله ، مساء العودة للهدوء وعالمي الداخلي الجميل ، كان أسبوعًا جميلاً وحافلاً جدًا والحمدلله ، انغمستُ في العديد من الأشياء والأفكار والمشاعر لذلك أعود الآن لأكتب وأنا مُمتلئة بكل هذا الشوق والمشاعر الدافئة ، اشتقتُ للهدوء ، اشتقتُ للكتابة ، اشتقتُ أن أنسج كلماتي بحب و ود ، اشتقت لأكتب لك يا عزيزي القارئ الوقور وتقرأني بحبٍ وشوقٍ مُتبادل ، اشتقتُ لهذا الشعور الجميل معك .

و بعد تعبيري عن شعوري وشوقي واشتياقي ، أكتبُ مقالتي هذه التي كانت توصيةً واقتراحًا من شخصية أعتز بمعرفتها من بلاد الجمال والفن لبنان الحبيبة .

نبدأ بسؤال كما هو في عنوان المقالة : هل نحنُ طيبون فعلاً ؟ وكيف نعرف أننا طيبون ؟ وهل الغضب والقوة والقسوة والجفاء والتعامل بوقاحة تلغي طيبة الإنسان؟ في كثير من الأحيان في لحظات الغضب أو الزعل أنا كـ همس أتحاشى الرد بغضب ، أولاً : احترامًا لنفسي وترفعًا من النزول لأي مستوى هابط لا يليقُ بي ، ثانيًا : امتثالاً لأمر الله عزوجل ( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) أكظم غيظي وأحاول أعفو عن نفسي وعن الناس ثم أُحسن لنفسي والناس ، أما ثالثًا : حتى لا أقول شيئًا في لحظة غضب وأجرح قلبًا ثم أندم على ذلك – لأنني مررتُ بهذا الموقف مُسبقًا وتعلّمتُ منه الدرس جيدًا ، رابعًا وأخيرًا : لا أُحب الدخول في هذه الدوامة ، قد أدخلها نعم إذا كان الأمر يستحق فقط ، لأنها تستهلك طاقة كبيرة مني ، بشكل عام أُحب الحوار والنقاش بهدوء ونضج ، قد أناقش بغضب لكن لا فائدة من هذا النقاش أبدًا .

نعم أعترف أننا في بعض الأوقات لا نرغب بكظم غيظنا ، نرغب بالتعبير عن غضبنا وقد يكون غضبٌ متراكم وجامح جداً ، كشخص يصبر ويصمت ويتحمّل ثم في لحظة ينفجر انفجارًا مدويًا فلا يعود كل شيء كما كان أبدًا ، هل هذا يعني أنه ليس طيبًا ؟ بالطبع لا ، الطيبة هي عكس الخبث ، الطيبة هي جوهرك الأصيل ونقاء روحك ، الطيبة قد تجعلك لطيفًا و ودودًا أو ربما دبلوماسيًا و لا ترغب بالتصادم مع الآخرين لأنك تُحب السلام وتريد أن يعمّ السلام على الجميع لكنها لا تعني الضعف أبدًا ، لا تعني أنك لا تستطيع أن تُعلن حربًا عظمى أمام من يحاول أن يعتدي عليك أو يُقلل من شأنك أو يُهاجمك ويُهاجم من تُحب لأنه ظنّ أنك طيبًا ضعيفًا ستصمت وتنسحب ، حتى يظهر الجانب الآخر منك والذي هو النقيض تمامًا من اللطف والود ، يرى حزمًا و قوة ، يرى صلابةً وهيبة وشدة متمثلةً في عزة النفس وكرامتها ، يرى جبروتًا وعظمةً لا مُتناهية وحدودًا ثابتة قوية تنبّهك أنك في منطقةٍ حمراء خطرة تُخبرك أنك أسأت الحكم عليه وظلمت نفسك وظلمته معك بأنك حكمت عليه أنه ضعيف ، و ستُصيبك الدهشة الكبرى من كل ماحدث .

أن تتحكم في غضبك و مشاعرك ، وأن تتحمّل أنماط شخصيات البشر المُختلفة وأنت مُحافظ على هدوئك واتزانك ، هذه مهارة عظيمة جدًا ، وأن تعرف ماذا تقول وكيف تقول بلا أن تخلق عداوات بينك وبين الآخرين هذه أيضًا مهارة عظيمة جدًا ، ( لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ) ، لكن هناك أمرٌ آخر ، في بعض الأحيان نكون فعلاً طيبون ورائعون لكننا لا نعبّر عن حقيقة مشاعرنا بصراحة ووضوح خشية أن يغضب الطرف الذي أمامنا ، نعيش في هذا الوساوس ( إذا قلت له اللي بقلبي بيزعل مني خليني ساكت أحسن ) نصمت لسببين ، الأول : متعلق بنا ، حصلت لنا مواقف سابقة عبّرنا فيها بصدق ولكن هذا الصدق كلّفنا العلاقة بأكملها فخسرنا أشخاصًا نحبهم فتشكّلت لدينا عقدة من التعبير . السبب الثاني : مًتعلق بالطرف الآخر، قد يُسيء فهمنا لا يستوعب كلامنا ، لديه قصور في الفهم والاستيعاب ، يحوّر ويحوّل المواضيع إلى نطاق آخر مُختلف تمامًا عما نعنيه ، في هذه الحالة قد نضطر أن لا نعبّر عن حقيقة مشاعرنا وبالتالي ستكون تكلفة هذا التصرف وجود حواجز كبيرة وعميقة بيننا وربما هذا هو الأفضل للحفاظ على استدامة العلاقة خصوصًا اذا كانت علاقة مع الأهل المقربين ، إلا اذا كنت طويل البال وشجاعًا مغوارًا تستطيع أن تدخل حروب ذهنية ونقاشية وفكرية في سبيل توصيل رأيك وشعورك وإحساسك الذي تشعر به ، هنا أنت انتقلت لمرحلة ملكية ذهبية أسطورية عالية الجودة ، لكنني عن نفسي أُحب أن أشتري راحة بالي دائمًا حتى إن كان باهظًا جدًا حتى وإن كلّفني علاقات وأشخاص ، قاعدتي في حياتي : إن لم تستطع أن تُعطيني مساحتي في التعبير عن مشاعري بأمان فذلك يعني أنك لا تستحق مشاعري من الأساس ، وقد أكون مُخطئة في هذه القاعدة لكنني وجدتُ راحتي فيها وسلامي وأماني .

أخيرًا في الآية الكريمة : (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ) كنتُ أظن أن المقصود هنا الأزواج ، الرجل الطيّب ستكون زوجته مثله طيبة ، والمرأة الطيبة سيكون زوجها طيّب مثلها وقد يكون صحيحًا ، ولكن الموضوع أعمق وأشمل حيث أن الأقوال والأفعال والأشخاص الخبيثين يناسبهم الخبيث و يأتي منهم الخبيث ، وأن الأقوال والأفعال والأشخاص الطيبين يناسبهم الطيب ولا يأتي منهم إلا طيبًا ، وربما كلنا لدينا الجانبين ، لكن أي جانب هو الأكثر وضوحاً ؟ أي جانب يكبر فينا ؟ أي جانب نُغذيه ؟

محبتي : همس الحربي .

اظهر المزيد

تعليق واحد

  1. رائع جداً، سلمت يداك على مقال يحمل في طياته تساؤلات وافكار لطالما حيرتنا، وفتحتِ لنا مجالاً بدورنا لنسأل انفسنا بصدق ونرسم خطوطنا.
    شكراً لهذا المقال الرائع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى