مقالات

البيئة مسؤولية مشتركة: نحو وعي مستدام

حين نتحدث عن حماية البيئة، تتجه أذهاننا غالبًا إلى المصانع، والانبعاثات، والتلوث، والمشروعات الكبرى، بينما نغفل عن أن جزءًا رئيسيًا من المشكلة يتسلل يوميًا في تصرفات صغيرة نكررها تلقائيًا دون تفكير. ففي مكاتب العمل مثلًا، ينتهي الدوام ويغادر الموظف بينما يظل جهاز الكمبيوتر والشاشة يعملان حتى اليوم التالي، وتبقى غلاية الماء موصولة بالكهرباء، والإضاءة مشتعلة في مكتب فارغ، والمكيف يعمل في غرفة لن يدخلها أحد لساعات، فضلاً عن طباعة عشرات الأوراق لاستخدام صفحة واحدة منها ثم التخلص من الباقي. كل تصرف بمفرده يبدو بسيطًا، ولهذا لا نشعر بحجم أثره، لكن حين نضرب هدر جهاز واحد في عشرات المكاتب على مدار العام، تختلف الصورة تمامًا.
ولا يتوقف الهدر عند حدود الطاقة الكهربائية، بل يمتد إلى عاداتنا الاستهلاكية اليومية والمجتمعية؛ ففي الاجتماعات والمناسبات يُطلب من الطعام والمشروبات ما يفوق الحاجة الفعلية بكثير، وفي المنازل نشتري أكثر مما نستهلك حتى تنتهي صلاحية المنتجات في الثلاجة قبل رميها. نترك صنبور الماء متدفقًا أثناء تنظيف الأسنان أو غسل الأواني، ونفرط في استخدام الأدوات ذات الاستخدام الواحد، بل وقد نشتري جهازًا جديدًا لمجرد ظهور نسخة أحدث رغم أن القديم ما زال يعمل بكفاءة. هنا تحديدًا تصبح الاستدامة أقرب إلى حياتنا مما نعتقد؛ فهي لا تبدأ دائمًا بمشروع ضخم، وإنما بوعي يتلخص في سؤال بسيط: “هل أحتاج فعلًا إلى استهلاك هذا المورد؟”.
إن فكرة الاستدامة في جوهرها تقوم على تلبيـة احتياجاتنا اليوم دون استنزاف قدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها، لأن موارد الأرض ليست بلا نهاية. والمشكلة أن الإنسان قد لا يشعر بالهدر عندما لا يدفع ثمنه مباشرة؛ فنحن نراقب فاتورة المنزل لأننا سندفعها من جيوبنا، بينما نغادر المكتب ونترك الإضاءة تعمل لأن جهة العمل هي من ستدفع الفاتورة. وهنا يظهر المعنى الحقيقي للمسؤولية البيئية؛ ف الوعي الحقيقي يبدأ عندما نتعامل مع الموارد العامة بالحرص والاهتمام نفسه الذي نمنحه لمواردنا الخاصة.
تتطلب هذه المسؤولية تبني خطوات عملية في تفاصيل حياتنا؛ ففي بيئة العمل يقع على عاتقنا الحرص على إطفاء الأجهزة غير المطلوبة، وفصل التوصيلات، والترشيد في الطباعة، واستهلاك الطعام الأنسب للحضور، مع استخدام أكواب قابلة لإعادة الاستخدام. وفي منازلنا ومساحاتنا العامة تبدأ المسؤولية بالشراء على قدر الحاجة، وإصلاح المقتنيات قبل استبدالها، والتبرع بالفائض، وتشغيل الأجهزة المنزلية بكفاءة ترشيدية دون حرمان. أما في الشارع والمتنزهات والشواطئ، فيكون التصرف الأبسط والأهم هو ألا نترك خلفنا شيئًا لم يكن موجودًا قبل وصولنا، فالمساحات المشتركة ينعكس أثر التعامل معها على الجميع.
ربما تكمن المشكلة الكبرى في اعتيادنا على إلقاء التبعة على الآخرين والتسائل دائمًا عن مسؤولية الجهات المختصة أو المصانع والشركات. ورغم أن تلك الجهات تتحمل مسؤوليات جليلة، إلا أن المسؤولية المشتركة تجعل الفرد جزءًا لا يتجزأ من المعادلة. لا يحتاج المرء إلى أن يكون ناشطًا بيئيًا ليكون له أثر ملموس، بل يكفيه تغيير عاداته اليومية؛ أن يطفئ، ويقلل، ويوفر، ويسأل نفسه قبل رمي أي شيء عما إذا كانت فائدته قد انتهت حقًا. فالاستدامة ليست شعارات نرددها، بل هي سلوك يومي وتبدأ أحيانًا من خطوتين إلى الخلف لإطفاء شاشة مكتب قبل المغادرة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى