مقالات

من علّمك ألا تحتاج أحدًا ؟ ..

كثيرًا ما نسمعُ جملة نُرددها في حواراتنا : ( الله لا يحوجني لأحد ) وأحيانًا نقولها لشخص طلبنا منه معروفًا أو خدمة لكنه رفض ولم ينفذها لنا فنرد عليه بأنفة وعزة نفس وكبرياء ونحنُ محمّلين بمشاعر الأسى والغضب منه  : ( الله لا يحوجني لك ) .

كمبدأ مُجرد من أي إسقاطات شعورية ، هو مبدأ جميل ، أن لا نُظهر ضعفنا وحاجتنا للآخرين ولعامة الناس ، ولكن في الحقيقة وكعامل نفسي هذه تُعتبر مشكلة  حسب ما ذكره طبيب النفس كارل يونج ، فالاحتياج ليس عيبًا في ذاته ، المشكلة تبدأ عندما لا نستطيع الاعتراف به لأنفسنا ولمن نحب ويحبوننا ، فنضطر إلى بناء صورة مُزيفة عن أنفسنا تقول عكس ما نشعر به .

في الحقيقة لابد أن نحتاج للآخرين ولابد أن يحتاجوا إلينا ، فهذه سنة الحياة ، أن نتعاون نتعايش نتبادل الخدمات والفرص والعلم والمعرفة والجمائل فيما بيننا ، إن لم تحتج لأحدهم هذا يعني أن لا أحد سيحتاجك ، وإن لم يحتجك أحدهم فهذا يعني أنك لن تحتاج إليهم ، فبالتالي قد تفتر العلاقات أو تتصدّع مع مرور الزمن وتموت ببطء ، لأن الحاجات قد تُقرّب الآخرين من بعضهم أكثر وتسهّل التعاملات وتوثّق وتوطّد العلاقات ، أن تُعطي الفرصة للآخر أن يُقدّم لك معروفًا وتكون ممتنًا له و تحمل جميله بداخلك هذا يعني أنه سيأتي يومًا ما هو يحتاجك ويطلب منك صنيعًا فتكون سعيدًا وترد له معروفه بنفسٍ رحبة .

لكن من المهم جدًا والفارق الكبير والأساسي أن تختار جيدًا من تشاركه ضعفك واحتياجك ، من تُعبّر له عن هذه النقطة الحساسة ، فالبعض نبيل وكريم نفس قد يساعدك ويتفهّم حالتك ويقف بجوارك ويبني جسورًا من المحبة والوفاء والولاء بينكما ، والبعض سيء الخلق ودنيء النفس ليس لديه أدنى درجة من الإنسانية ، فقد يستغل احتياجاتك وضعفك للوصول إلى أهدافه وخدمة أجندته الخاصة أو الأسوأ من ذلك أن يحاول التقليل من شأنك أمام الآخرين فبدلاً من أن يُقدّم لك العون تجده يستهزيء ويسخر بك من وراء ظهرك . وهذه مواقف تحدثُ كثيرًا فتنشأ عند الشخص عُقدة نفسية يأبى أن يُظهر ضعفه واحتياجه مرة أخرى أمام كائنًا من كان ، لأنه تألم ألمًا شديدًا بسبب شخصٍ ليس لديه مروءة وعلّمه ألا يحتاج إلى أحدٍ أبدًا .

أتذكر شطرًا قديمًا لطالما أحببته : ( ما يحس بحاجة الإنسان غير الإنسان )  فالإحساس بحاجة الآخرين هو أرقى درجات الإنسانية ، أما التعاطف معهم والسعي لقضاء هذه الحاجة فهي أرقى درجات النُبل والمروءة والشهامة .

في ديننا الإسلامي هناك مبدأ عظيم وجميل في التكافل وخدمة بعضنا البعض لحديث نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم : ( مثلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم، مَثَلُ الجسد؛ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسد بالسهر والحمّى ) .

لذلك مقالتي هذه عبارة عن دعوة لأن يكون لدينا الوعي الكافي والثقافة والإنسانية الكافية التي تجعلنا أن نتعامل مع احتياجاتنا واحتياجات الآخرين بوعي وحكمة وأن نسعى لتلبية هذه الاحتياجات ما استطعنا بكل لطف ومودة ورحمة .

محبتي الخالصة : همس الحربي .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى