مقالات

الأشياء التي لا تُقال

ليست كل الحكايات تُروى، وليست كل المشاعر تجد طريقها إلى الكلمات

هناك أشياء كثيرة نعيشها بصمت؛ تمرّ في أعماقنا، وتترك أثرها، ثم تمضي الأيام دون أن يعرف أحد عنها شيئًا.

كم من شخص قال: «أنا بخير»، بينما كان في داخله حديث طويل لم يجد من يصغي إليه. وكم من ابتسامةٍ أخفت خلفها تعبًا، وكم من صمتٍ كان أكثر امتلاءً بالكلام من ألف حديث.

نحن نتقن الحديث عمّا حدث، لكننا لا نتقن دائمًا الحديث عمّا أحدثه فينا.

نروي المواقف، ونذكر التفاصيل، وربما نضحك ونحن نستعيدها، لكننا نحتفظ في مكانٍ خفي من القلب بما شعرنا به حقًا؛ خوفًا من أن يُساء فهمنا، أو لأن بعض المشاعر أكبر من أن تختصرها الكلمات.

وفي زحام الحياة، أصبحنا نسأل بعضنا: «كيف حالك؟» بسرعة، ونسمع الإجابة بالسرعة ذاتها. نطمئن إلى كلمة «بخير»، ثم نمضي، دون أن نتساءل عمّا يقف خلفها.

وربما لهذا السبب يحتاج الإنسان أحيانًا إلى من يقرأه بين السطور؛ إلى من ينتبه لتغيّر صوته، وهدوء حضوره، وقلة حديثه، وإلى تلك التفاصيل الصغيرة التي لا يلاحظها إلا من يهتم حقًا.

فليس كل صامتٍ لا يملك ما يقوله، وليس كل مبتسمٍ سعيدًا، وليس كل بعيدٍ قد نسي.

هناك اعتذارات تأخرت حتى فقدت معناها، وكلمات شكرٍ بقيت حبيسة القلب، واشتياقٌ أخفاه الكبرياء، وأحلامٌ تخلينا عنها دون أن نخبر أحدًا كم كان التخلي عنها مؤلمًا.

وهناك أيضًا كلمات جميلة كان يمكن أن نقولها ولم نفعل.

كان بإمكاننا أن نقول لمن نحب: «وجودك يعني لي الكثير»، ولمن أحسن إلينا: «لم أنسَ موقفك»، ولمن اجتهد: «أنا فخور بك»، ولمن أثقلته الحياة: «أنا هنا».

لكننا كثيرًا ما نؤجل الكلمات الطيبة، وكأن الوقت مضمون.

والحقيقة أن بعض الكلمات حين تتأخر، لا تعود قادرة على الوصول إلى المكان نفسه.

لذلك، لا تنتظر مناسبة لتقول كلمة جميلة، ولا تؤجل امتنانًا، ولا تبخل بسؤال صادق عن شخص تغيّر فجأة. فقد تكون كلمة منك نافذة يدخل منها الضوء إلى قلبٍ أرهقه الصمت.

وفي المقابل، لا تحكم سريعًا على الآخرين من ظاهرهم؛ فلكل إنسان صفحات لا يعرضها على أحد، ومعارك يخوضها بعيدًا عن الأنظار، وحكايات اختار أن يحتفظ بها لنفسه.

ربما لهذا كانت الرحمة أجمل ما يمكن أن نقدمه لبعضنا؛ أن نكون أكثر لطفًا، أقل حكمًا، وأكثر إنصاتًا.

فالحياة ليست فقط ما نراه ونسمعه…

هناك دائمًا شيء آخر يحدث في الداخل.

وبين ما يُقال وما يُخفى، تسكن أصدق الحكايات… تلك التي لا يقرؤها إلا من يعرف كيف يقرأ بين السطور.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى