الوعي الأمني… خط الدفاع الذي لا يسقط

بقلم المهندس/ علي عسيري
لم تعد الحروب في عصرنا تُحسم بالسلاح وحده، بل أصبحت الكلمة والصورة والمعلومة جزءًا من ميدان المعركة. فالحرب الإعلامية والنفسية باتت من أخطر أدوات الصراع، إذ تسعى الأطراف المتنازعة إلى التأثير في الرأي العام، وبث الخوف، وتشويه الحقائق، واستغلال أي معلومة يمكن توظيفها لخدمة أهدافها.
وفي ظل ما تواجهه المملكة العربية السعودية من تحديات أمنية، يصبح الوعي الوطني مسؤولية مشتركة لا تقتصر على الجهات المختصة، بل تمتد إلى كل فرد يعيش على هذه الأرض المباركة. فكل صورة تُنشر، وكل مقطع يُتداول، وكل معلومة تُنقل دون تحقق، قد تتحول – بقصد أو بغير قصد – إلى مادة تستغلها الجهات المعادية في حملاتها الإعلامية، فتُضخِّم الأحداث، وتبني عليها روايات مضللة، وتوظفها في حربها النفسية.
إن بعض ما يُنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قد يبدو عملاً عفويًا، لكنه قد يحمل آثارًا تتجاوز ما يتصوره ناشره. لذلك فإن المسؤولية الوطنية تقتضي التثبت قبل النشر، وعدم تداول أي محتوى يتعلق بالأحداث الأمنية أو العسكرية إلا من خلال المصادر الرسمية، فهي الجهة المخولة بنقل المعلومات الدقيقة، بعيدًا عن الشائعات والتأويلات.
ويبرز هنا دور الأسرة باعتبارها المدرسة الأولى في بناء الوعي. فالآباء والأمهات مطالبون بتوجيه أبنائهم إلى الاستخدام المسؤول لوسائل التواصل الاجتماعي، وتحذيرهم من إعادة نشر المقاطع أو الأخبار مجهولة المصدر، أو تصوير ما يتعلق بالأحداث الأمنية. فالتقنية نعمة عظيمة إذا أُحسن استخدامها، لكنها قد تتحول إلى وسيلة يستفيد منها الخصوم إذا غاب الوعي.
إن حماية الأوطان لا تقتصر على من يحمل السلاح في الثغور، بل تشمل كذلك من يحافظ على أمن المعلومات، ويصون الجبهة الداخلية، ويرفض أن يكون وسيلة لنشر الشائعات أو المبالغات أو الأخبار غير الموثقة. فكل مواطن ومقيم يستطيع أن يسهم في تعزيز أمن المجتمع من خلال وعيه والتزامه بالمسؤولية.
لقد أثبتت التجارب أن قوة الدول لا تقاس بقدراتها العسكرية فحسب، بل كذلك بوعي مجتمعها، وتماسك صفوفه، وثقته بمؤسساته، ورفضه الانجرار خلف حملات التضليل. فالعدو قد يعجز عن تحقيق أهدافه في الميدان، لكنه يسعى إلى تعويض ذلك عبر التأثير في النفوس وزعزعة الثقة ونشر البلبلة، ومن هنا تأتي أهمية الوعي باعتباره خط الدفاع الأول.
وفي الختام، فإن المحافظة على أمن الوطن ليست واجبًا على جهة دون أخرى، بل هي مسؤولية يتقاسمها الجميع. وإذا كان رجال الأمن والقوات المسلحة يحرسون حدود الوطن، فإن أفراد المجتمع يحرسون جبهته الداخلية بوعيهم، وانضباطهم، وحسن تعاملهم مع المعلومات. وعندما يجتمع الوعي مع المسؤولية، يصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة التحديات، وأكثر تماسكًا في وجه كل من يحاول النيل من أمنه واستقراره.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها أمنها واستقرارها، وحفظ قيادتها وشعبها، وجعل وعي أبنائها حصنًا منيعًا في مواجهة كل من يسعى إلى الإضرار بها.ر التعليم رئيس مجلس شؤون الجامعات الأستاذ يوسف بن عبدالله البنيان، على متابعته المستمرة وحرصه على تمكين الجامعات من أداء رسالتها التعليمية والبحثية والمجتمعية، وتحقيق مستهدفاتها الاستراتيجية بما يخدم أولويات التنمية في المملكة.
