كُن حيًا …

في مقالتي الخامسة هذه احترتُ كثيرًا عن ماذا أكتب ؟
لدي مواضيع كثيرة لا تنتهي ، وأفكار ومشاعر ومواقف خصوصًا في هذا الأسبوع الشيّق والممتلئ بالكثير من الأحداث ، لكنني أرغبُ أن أكتب شيئًا من أعماق قلبي ، شيئًا من أعماق روحي ، شيئًا يجعلني أتشبّع بمشاعر الرضى ، يُغذيني ويُغذي مشاعري العميقة ، ليصل إلى أعماق أرواحكم وقلوبكم الجميلة ، احترت حتى قررت أن أكتب عن الأثر الطيّب .
أتذكر جيدًا أنني في أيام الجامعة وعندما كنتُ أُذاكر مادة البرمجة من مصادر خارجية تحديدًا شبكة عبدالله عيد التعليمية، قرأتُ جملة كتبها : ( كُن حيًا حتى بعد مماتك ) و وقعت في قلبي وقعًا شديدًا وبطريقة مُدهشة أثّرت فيني أثرًا إلى يومكم هذا . كان الفضل لهذا الأستاذ بعد الله في نجاحنا وفهمنا أنا وصديقاتي للبرمجة تلك الأيام 2012 ، بسّط لنا مفاهيم البرمجة ولغة الجافا بطريقة جعلتني أحبها حُبًا جمًا ، و كان يفعل ذلك فقط لوجه الله و كزكاة علم ، يُقدّم الكثير من العلم والمعرفة أكثر من 118 فيديو تعليمي مجانيّة فقط لأنه يرغب أن يكون حيًا حتى بعد موته.
( كُن حيًا حتى بعد مماتك ) : لم تكُن مُجرد جملة بالنسبة لي ، بل كانت مبدأً وهدفًا وطموحًا أسعى لتحقيقه في حياتي ، أن أعمل عملاً طيبًا وأترك أثرًا حسنًا من بعدي ، آمنتُ بالجملة لأنني آمنتُ بكاتبها وصاحبها ، فقد كان خير قدوة وخير نموذج ، قدّم المساعدة لكل الطلبة وكان سببًا في نجاح الكثير وترك أثرًا طيبًا عميقًا داخلنا لا ننساه إلى هذه اللحظة ، لا يعرفنا ولا نعرفه ، فقط كل ما كان بيننا هو الموقع الإلكتروني وقناة اليوتيوب الذي نشاهد الدروس المسجلة من خلاله ونتعلّمها ونطّبقها وندعو له .
وهناك الكثير الكثير من الأشخاص الذين صنعوا لنا معروفًا ، وتركوا لنا أثرًا طيبًا ، قد لا يزالون على قيد الحياة ، لكن قُطعت سُبل التواصل بيننا وبينهم وماتوا في حاضرنا ، لكنهم أحياء في ماضينا وذكرياتنا وأحياء في قلوبنا بسبب أفعالهم الطيبة التي لا ننساها أبدًا.
في هذه الأثناء أحب أن أشكر صديقتي الغالية على قلبي جدًا ت.ع ، وأنا أكتب كلماتي هذه تذكرتُ لها موقفًا جميلاً لن أنساه ما حييت ، في إحدى المرات في 2015 كان لديّ اختبار قواعد بيانات Database الساعة الثانية ظهرًا . كانت من طقوسي في أيام الاختبارات أن أتناول وجبة الإفطار وأذهب للجامعة مُبكرًا الساعة الثامنة صباحًا لكنني لا أحضر أي مُحاضرة ولا أرى أحدًا ، أختار إحدى الفصول الدراسية الخالية وأجلس بهدوء و أذاكر وأستعد لاختباري ، في ذلك اليوم مارستُ نفس طقوسي المعتادة وأخذني الوقت ولم أنتبه حتى آذان الظهر ، ذهبت لأصلي ثم أستأنف الدراسة ، حتى شعرت بجوع وصداع لن يزول إلا بفنجان قهوة ، حدثتُ نفسي أن قبل الاختبار بعشر دقائق سأنزل الكافتيريا وأشتري قهوتي وشيئاً خفيفًا يُعطيني طاقة ثم أذهب لقاعة الاختبار ، وفعلاً في الساعة 1:50 دقيقة أغلقت كُتبي ودفاتري والحاسوب ونزلت لكن الأمر الذي لم أحسب حسابه أن كافتيريا الكلية كانت قد أغلقت أبوابها ، ولم يكن باستطاعتي الخروج خارج الكلية ؛ فجميع الكافتيريات الأخرى كانت تبعد أكثر من عشر دقائق . أثناء صدمتي هذه وصلني إشعار من صديقاتي في مجموعتنا: يسألن عني للاطمئنان ، لأنني لم أحضر أي مُحاضرة ولم أسلّم على أي أحد ، كما ذكرتُ لكم مسبقًا كنتُ منغمسة جدًا في المذاكرة ، فتلك اللحظة كتبت لهم شعوري وصدمتي كما هي : “يا بنات تخيلوا الكافتيريا مقفلة، وأنا مصدعة وأبغى قهوة ما تقهويت الصبح كله ، لكن يلا الحمدلله أنا رايحة القاعة ادعوا لي ” .
ثم سلّمت أمري لله، ودخلت قاعة الاختبار.
وزّعت الدكتورة الفاضلة منال سلامة أوراق الاختبار، وبدأ الجميع بالحل في هدوءٍ تام ، كانت القاعة صامتة ، الكل صامت مُتعمق ومُركز ، وكل واحدةٍ منّا غارقة في أسئلتها وإجاباتها، وكنتُ أكثرهن انغماسًا ، وفجأة سمعتُ حركةً عند الباب ، رفعت رأسي، فإذا بصديقتي تقف هناك، تحمل لي كوب كابتشينو ..
لا أستطيع وصف سعادتي في تلك اللحظة .. سعادتي برؤيتها أولًا، وسعادتي بمعروفها ثانيًا ، وددتُ أن أحتضنها لكنني كبحتُ غزارة مشاعري وكثافتها احترامًا للدكتورة فالمكان لا يتسع لي أن أعبّر عن إحساسي السعيد ، ولكن إلى هذا اليوم وفي كل مرة أتذكر هذا الموقف، حتى بعد مرور عشر سنوات، يعود إلى قلبي الشعور نفسه: بهجة، وامتنان، سعادة ودفء لا يُنسى.
بالنسبة لي لم يكن مجرد كوب قهوة أبدًا ، كان كوبًا مليئًا بالحب والتقدير والعرفان، كوبًا مليئًا بالوفاء والأخوّة، والصداقة الحقيقية ، كوبًا ملأ قلبي قبل أن يملأ معدتي ، لطالما أثرت فيني المواقف الصغيرة ، لأنني أرى معناها الكبير خلفها ، فبعض الأفعال، مهما بدت صغيرة، لا يقاس أثرها بحجمها، بل بتوقيتها. فالكلمة المناسبة، والفعل المناسب، في الوقت المناسب قد يُطبع أثرهما على القلب، ويبقى حاضرًا في الذاكرة سنواتٍ طويلة. لا أنسى ذلك الكوب ولا أنسى المشاعر والمعاني الجميلة والأثر الطيّب الذي تركتهُ داخل قلبي ، تمضي الأيام والسنوات وأنا أُجدد شكري لها بين فترةٍ وأخرى .
نحن لا ننسى كل من قدّم لنا معروفاً وجميلاً ، لا ننسى من أحسن إلينا ، يبقى في داخل قلوبنا حيٌ يُرزق .
لكن السؤال : نحن ماذا قدّمنا ؟ ماذا فعلنا من معروف ؟ ماذا فعلنا من جمائل ؟ ما الأثر الذي نريد تركه بعدنا ؟ ما الخير الذي سيستمر بسببنا ؟
لذلك ندعو الله أن نكون أيضًا من أهل المعروف والإحسان، ومن الذين يزرعون الخير أينما حلّوا، ويتركون في القلوب أثرًا طيّبًا و جميلًا لا يُنسى.
محبتي الخالصة : همس الحربي .
