مقالات

ما معنى أن تكون ناجحًا ؟

كلًا منّا لديه حلمٌ جميل يحمله منذ سنواتٍ طويلة داخل نفسه دون أن يُخبر أحدًا عنه  ، البعض منّا يحاول دفن هذا الحلم بعيدًا في داخل أعماقه ويتعايش مع واقعه الحالي ، والبعض منّا لديه الأمل أن يُحقق هذا الحلم يومًا ما ولا يعرف متى؟ ، والبعض لديه الشجاعة الكافية وقوة الإرادة والعزيمة ليجعل حلمه واقعًا يعيشه ويضع أهدافًا وخططًا حقيقية للوصول إلى غايته السامية .

النجاح يا عزيزي القارئ الوقور ليس بالضرورة أن يكون بالمناصب العُليا والنفوذ والسُلطة والأموال الطائلة وإن كان جزءًا كبيرًا من النجاح فعلاً يتمثل في هذه الأمور – هذا شيءٌ لا يُمكننا إنكاره ، لكن النجاح الحقيقي أن تكون مُتزنًا في جميع جوانب حياتك الثمانية وهي : الجانب الثقافي ، الجانب المهني ، الجانب الصحي ، الجانب الاجتماعيّ ، الجانب الروحي ، الجانب النفسي ، الجانب العائلي و الجانب الترفيهي.
النجاح لا يحدث بين ليلةً وضحاها ، هي تراكمات خطوات سابقة مُستمرة ، وأجزاءً اجتمعت واكتملت أدّت إلى نتيجة إبراز صورة النجاح .

فجزءٌ من النجاح أن تكون مُتزنًا داخليًا تخاف الله و رسوله في زمن أصبح الكل يخاف من كل شيء عدا الله – هذا يتمثّل في الجانب الروحي – ، أما الجانب النفسي أن تكون مُمتلئًا بالحب والسلام والرضى الداخلي والقناعة وهذا لا يتعارض بل يتماشى تمامًا مع الطموح والاجتهاد والسعي الدؤوب للارتقاء لأعلى المناصب لتحقق نجاحًا باهرًا في الجانب المهني ، وجزءٌ من النجاح أن تكون راقيًا مُهذبًا خلوقًا تُعوّد نفسك على العلم والتعلّم لتملأ جانب الثقافة لديك ، ويرتبط هذا الجانب الثقافي بالجانب الاجتماعي أن تنجح في أن يسلم الآخرون من لسانك ويدك، و أن يكون لديك ذكاءً عاطفياً في التعامل مع جميع أنماط البشر بكل حكمة ورحمة ، وأن تكون قدوة للخير وتترك أثرًا طيبًا وبصمة حسنة في كل من يعرفك ، تبقى لدينا ثلاث جوانب أخرى وهي الصحة والعائلة والترفيه ، لا داعي للتطرق إليها لأنني أظن أن كثيرًا من الناس الآن مهتمين في هذه الجوانب بطريقة جميلة ومُبهجة ، قد يشاركونني بعضًا منها في التعليقات أسفل هذه المقالة .

في الحقيقة أريد أركّز على الجانب الذي يُهمني ويعنيني كثيرًا ، – جانب الثقافة – فلطالما كنتُ ولازلت أهتم بالكلمة وصاحب الكلمة ، أهتم بالألفاظ وقائلها،  وكثيرًا جدًا أستطيع أن أحكم على مستوى ثقافة الشخص بناءً على كلماته ومفرداته التي يستخدمها في الحديث ، فكُل إناءٍ بما فيه ينضح ، لا أستطيع أن أتقبّل الألفاظ الغير جيدة ، و أنفر كثيرًا من الأحاديث التي تحمل أسلوباً غير لائق ، ناهيك عن الكلمات الجارحة أو المجرّدة من الروح الإنسانية .
لدي مُعتقد متأصل داخل نفسي بأن الإنسان شرفه في كلماته و وعوده ، إن كان يقول و يفعل ما يقوله فهو إنسانٌ شريف ونبيل ، وإن كان يُقول ما لا يفعل فهو يُمثل المعنى العكسي تماماً للنُبل والشرف ، لذلك أنجذب دائمًا للذي يعرفون كيف يتحدثون بلباقة و رُقي وتهذيب ، والذين يوفون بوعودهم ، واللذين يقولون هونًا ولينًا للناس ، أجدني كالمغناطيس الذي يسحب كل المعادن اتجاهه ، هذا النوع من المعادن تحديدًا أجده ثمين وثمينٌ جدًا في هذا الزمن .

بالنسبة لي قد يكون أمامي شخص ذو نفوذ ولديه درجة الدكتوراه ، لكنه سليطُ لسان أو بذيء ، في قاموسي الشخصي لا أعتبره ناجحًا ولا تربطه أي صلة بالنجاح ، فالنجاح أن تكون راقيًا ناجحًا في اختيار وانتقاء كلماتك بعناية كما تنتقي ملابسك التي ترتديها كل يوم – هذا مفهومي الشخصي أنا كـ همس – 
لكن أحدًا آخر غيري سيرى البروفيسور السابق أنه أروع الرائعين وأنجح الناجحين ، ولا بأس في ذلك ،
لأن النجاح الحقيقي مفهوم فردي ، معيار شخصي و مرجع مستقل يختلف من شخص لآخر ، فمعنى النجاح بالنسبة لي بالطبع يختلف عن معنى النجاح بالنسبة لصديقتي أو أخي أو بالنسبة لك .

وقبل أن أختم مقالتي هذه أرغب أن أسلّط الضوء و كل الضوء على نجاحاتنا الخفية وإنجازاتنا الهائلة تلك التي كانت بعيدة عن أنظار الناس – في الظلام الحالك ، في العتمة ، في الوحدة ، في الخفاء : كالتعافي من كل ألمٍ جعلنا أقوى ، كالضحك بعد دموعنا التي بكيناها لوحدنا وبعيدًا عن أنظار الآخرين ، جبر قلوبنا بعد انكساراتنا ، استعادة أملنا بعد خيبات أملنا ، أفراحنا بعد أحزاننا ، تشافينا من أوجاعنا التي لم نصرّح بها لأحدٍ من خلقه ، نهوضنا بعد وقوعنا ، عودتنا بعد رحيلنا ، مواجهتنا بعد هروبنا ، كلها إنجازات ونجاحات عظيمة لا يعرفها أحد سواك ولا يعرف قدر عظمتها وثمنها الباهظ جدًا غيرك ، فهي من صنعت منك نسختك الحالية الرائعة .

كل ما أود قوله لك عزيزي القارئ الوقور :
ضع أهدافك التي تُرضي قلبك وتجعلك تشعر بالراحة والسعادة والرضى ، ولا تضع في الحسبان معايير النجاح المجتمعية التي ليس لها بداية ولا نهاية – رغم أنني أعلم جيدًا صعوبة هذا الأمر – ، لكن قد يكون معيارك الوحيد الشامل والكامل هو فقط : “قال الله تعالى وقال رسوله الكريم” ، و من المهم أن تكون أو تحاول أن تكون مُتزن في جميع جوانب حياتك وسعيدٌ بها ، فـ عش نجاحاتك كما هي ، واستمتع وافرح مهما بدت صغيرة أو كبيرة المهم أنها نجاح بالنسبة لك فتألّق بها و ازدهر .

أمنياتي لك بحياة طيبة مُتزنة مليئة بالمشاعر الجميلة ونجاحاتك المذهلة الخاصة بك .
همس الحربي .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى