هل الخِبرة المجانية إستثمار… أم عـادةً مُـكلِفة ؟

لماذا اعتاد كثير من أصحاب الخبرة أن يقدموا كل شيء مجانًا، ثم يندهشوا عندما يكتشفون أن ما يمتلكونه كان يستحق التقدير منذ البداية؟ هناك أشخاص يكتشفون متأخرًا أنهم أمضوا سنوات طويلة يقدمون شيئًا له قيمة حقيقية دون أن يدركوا قيمته الاقتصادية.
أحيانًا لا تكون المشكلة أن الآخرين استغلوا ما لديك، بل أنك أنت نفسك لم تدرك مبكرًا أن ما تمنحه للناس كان أصلًا ثروة غير مرئية. تُرى كم موهبة، وكم خبرة، وكم ساعة من العمر أُنفقت مجانًا، ليس لأن الناس لم تُقدّرها، بل لأن أصحابها لم يتعلموا يومًا كيف يضعون لها ثمنًا؟
تجد شخصًا يلقي محاضرات، يدرب الآخرين، يدير جلسات نقاش، يحل المشكلات، ويقدم أفكارًا يستفيد منها الجميع، لكنه لا يفكر يومًا أن ما يقدمه يمكن أن يكون خدمة مهنية لها مقابل. المفارقة أن المجتمع نفسه قد لا ينظر إلى هذه المهارات على أنها ذات قيمة طالما اعتاد الحصول عليها مجانًا. بل إن الشخص نفسه قد يقتنع، دون أن يشعر، بأن دوره الطبيعي هو أن يعطي فقط.
ثم تأتي لحظة فارقة؛ يُدعى فيها لإدارة جلسة واحدة أو تقديم محتوى واحد، ويُعرض عليه مقابل مالي. هنا يكتشف شيئًا صادمًا , ما كان يقدمه طوال سنوات لم يكن عملاً عاديًا، بل كان منتجًا معرفيًا ومهارة احترافية.
وفي تلك اللحظة، لا يشعر بالفرح فقط، بل بشيء من الدهشة وربما الحسرة أيضًا؛ لأنه يدرك أن ما كان يقدمه مجانًا لسنوات طويلة لم يكن يفتقر إلى القيمة، بل كان يفتقر إلى اعترافه الشخصي بقيمته. فبعض الناس لا يكتشفون متأخرًا أنهم كانوا يملكون موهبة استثنائية، بل يكتشفون أنهم كانوا يملكون مهنة كاملة دون أن يسموها يومًا باسمها الحقيقي.
أخطر أنواع الهدر ليس هدر المال، بل أن تهدر سنوات من خبرتك قبل أن تدرك أنها كانت رأس مالك الحقيقي.
لذلك نجد ان المشكلة ليست في العطاء ولا في مشاركة المعرفة، فالمعرفة في جوهرها رسالة، وتبادل الخبرات أحد أسباب تطور المجتمعات والأفراد. لكن المشكلة تبدأ حين يعتاد الإنسان تقديم ما يملكه باستمرار دون أن يعترف بقيمته، حتى يقتنع تدريجيًا أن ما يقدمه أمر عادي لا يستحق التقدير أو المقابل. ومع مرور الوقت، لا يعتاد الآخرون الحصول على خبرته مجانًا فحسب، بل يعتاد هو أيضًا أن يقلل من قيمة نفسه.
الخبرة لا تولد في يوم واحد لتجد أن وراء كل دقيقة من الحديث المؤثر سنوات من التعلم والتجربة، وأخطاء دفعت ثمنها من وقتك وجهدك، ومواقف صنعت نضجك المهني والإنساني. وما يبدو للبعض كلمات تُقال في ساعة أو جلسة قصيرة، قد يكون في الحقيقة حصيلة عمر كامل من التراكم المعرفي والتجارب والممارسة ومئات الساعات من الوقوف أمام الناس. وهذه الحصيلة لم تأتِ مجانًا لصاحبها، بل بُنيت عامًا بعد عام حتى أصبحت قيمة يصعب اختصارها في ساعة واحدة من الحديث.
الناس لا يدفعون ثمن ساعة من وقتك، بل يدفعون ثمن السنوات التي احتجتها لتصبح الشخص القادر على تقديم ما قدمته في تلك الساعة.
إذا كنت تملك معرفة أو مهارة يطلبها الناس منك باستمرار، فلا تتعجل في التقليل من قيمتها أو افتراض أن الجميع سيرى ما تقدمه بالطريقة نفسها. استمر في العطاء ومشاركة المعرفة، فالمعرفة رسالة، لكن تذكّر أيضًا أن الخبرة تحتاج إلى بيئة تعرف كيف تقدرها. وإذا قضيت سنوات في مكان لا يرى قيمة ما لديك، فلا تفترض أن قيمتك غير موجودة؛ فقد يكون كل ما تحتاجه هو أن تنتقل إلى المكان الذي يعرف كيف يرى ما تملكه ويمنحه التقدير الذي يستحقه.
أحيانًا لا تكون المشكلة أن خبرتك بلا قيمة، بل أنك تقدمها في المكان الخطأ؛ فالقيمة نفسها قد تُهمَل في مكان، وتُحتفى بها في مكان آخر. فلا تتخلَّ عن موهبتك لأن أحدًا لم يقدّرها؛ فقد لا يكون العيب في ما تملك، بل في أنك لم تصل بعد إلى من يعرف قيمته.
حين تُقابَـل خبرتك بالتجاهل، لا تُقلل من نفسك؛ فقط ابحث عن مكان آخر لتعرض فيه نورك. أحيانًا لا يكون أعظم اكتشاف في حياتك هو موهبتك… بل المكان الذي أخيرًا دفعك لتدرك قيمتها.

كلام يوقظ الوعي؛ قيمة المرء تبدأ من تقديره لنفسه أولاً. أبدعت في صياغة هذا الواقع
كلام جميل يذكرنا بحق أنفسنا علينا، مع التذكير اللطيف بدور المجتمع (الذي يقصد به محموعة الأفراد المندرجين تحت منظومة في مجال محدد قد يكون عاما وقد يكون متخصصا) المحيط بأصحاب الخبرة. هذا الدور يقتضي بالاعتراف بهم وتقديمهم لعلمهم وخبراتهم وتمكينهم، مع التحفيز العادل المجزي لتقديم هذه الخبرات للاستفادة من تجاربها وعلمها، مع عدم التسليم ان وجودهم حق مكتسب للمجتمع.
ففي غياب هذه الثقافة المجتمعية وبيئة العمل المحفزة تنطفئ شرارة الشغف، وتميل النفس الى العزلة بسبب عدم الشعور بالتقدير اللازم لما تم بذله من جهد وعمل وسلوك سبل العلم وغياب المحفزات الموازية لها.
وفي ظل الوضع الراهن، ليس من السهولة الانتقال بين المجتمعات وبيئات العمل المختلفة بحثا عن من يعرف قيمة الخبرات والعلم والعمل، وهنا يكمن التحدي في اختيار بين المجازفة بالمكتسبات الحالية على قلتها ومحاولة العثور على مجتمع يعرف قيمة الخبرات وكيفية تقديرها، وبين البقاء والعزلة والمحافظة عليها.
شكرا جزيلا على هذا الطرح واعتذر عن الزيادة بدون اذن، وكلي ثقة في سعة صدوركم بهدف الاثراء المعرفي والفكري.
كلام جميل يلمس حياتنا وواقعنا للاسف
للاسف يتم تحويرها لمسميات عديدة منها زكاة العلم
والبعض الاخر يعتبرها مدراس قديمة تعطل وتؤخر سير العمل وسرعته
طرح مميز يلامس واقعًا يعيشه كثير من أصحاب الخبرة.
أكثر ما أعجبني هو التذكير بأن قيمة الخبرة لا تُقاس بمدة تقديمها، بل بسنوات التعلم والتجربة التي بُنيت خلالها.
مشاركة المعرفة قيمة نبيلة، لكن تقدير الخبرة لا يتعارض مع العطاء، بل يحفظها ويمنحها الاستدامة.
وأحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى تغيير ما يملكه، بل إلى أن يجد البيئة التي تدرك قيمته وتقدرها حق قدرها.