مقالات

هل أصبح أطفالنا يدفعون ثمن القلق مبكرًا؟

في السنوات الأخيرة، لم يعد ارتفاع ضغط الدم مرضًا يقتصر على كبار السن كما كان يُعتقد سابقًا. فقد تضاعفت معدلات الإصابة به بين الأطفال والمراهقين من نحو 3.2% عام 2000 إلى أكثر من 6.2% عام 2020، كما تشير التقديرات إلى أن 8.2% من الأطفال والمراهقين يعانون مرحلة ما قبل ارتفاع ضغط الدم. وفي الوقت نفسه، يعد القلق من أكثر الاضطرابات شيوعًا لدى المصابين بارتفاع ضغط الدم، حتى أصبح الأطباء يلفتون الانتباه بشكل متزايد إلى العلاقة بين الضغط النفسي وارتفاع ضغط الدم لدى الفئات العمرية الصغيرة.

كيف وصل القلق إلى أعمار يفترض أنها الأكثر حيوية؟

لا يمكن إرجاع الأمر إلى سبب واحد فقط، لكن الضغوط النفسية المتزايدة أصبحت جزءًا من حياة كثير من الأطفال والمراهقين. فالطفل اليوم لا يواجه الاختبارات وحدها، بل يواجه معها الخوف من خيبة الأمل، والقلق من المقارنة، والخشية من أن تصبح درجاته مقياسًا لقيمته في نظر من يحبهم.

ماذا يحدث للطفل في موسم الاختبارات؟

بالنسبة لبعض الأبناء، لا تكون الاختبارات مجرد أسئلة وإجابات، بل تتحول إلى حالة استنفار نفسي كاملة. ساعات نوم أقل، قلق مستمر، خوف من النتيجة، وتوتر يرافقه شعور بأنه مطالب بإثبات نفسه في كل اختبار. وعندما تتكرر هذه المشاعر لفترات طويلة، فإن الجسد نفسه يبدأ بإظهار آثار هذا الضغط.

هل تساعد المقارنة على التفوق فعلًا؟

من أكثر ما يرهق الأبناء أن يسمعوا عبارات مثل: “انظر إلى فلان”، “لماذا لم تحصل على مثل درجاته؟”، أو “أخوك كان أفضل منك”. المقارنة قد تبدو للبعض وسيلة للتحفيز، لكنها في كثير من الأحيان تزرع شعورًا بالنقص والعجز، وتجعل الطفل يشعر أن محبته وقيمته مشروطة بالإنجاز فقط.

ولا تقف المقارنة عند حدود الكلام المباشر. فالطفل اليوم يرى ما يحدث حوله في الواقع وعلى وسائل التواصل الاجتماعي؛ يرى حفلات النجاح، والهدايا، والتصوير، والاحتفاء العلني بزملائه أو أقاربه. وقد يشاهد ذلك بصمت وهو يشعر أن فرحته أقل، أو أن إنجازه غير كافٍ، أو أن غياب الاحتفال به يعني أنه لا يستحق التقدير. هذه المشاهد قد تبدو عادية أو مبهجة للبعض، لكنها قد تترك لدى بعض الأطفال أثرًا نفسيًا خفيًا، خصوصًا عندما تُقرأ في داخلهم كرسالة غير مباشرة: الناجح يُحتفى به، ومن لم يحقق النتيجة نفسها يبقى خارج دائرة الفرح.

هل كل الأبناء خُلقوا ليتميزوا بالطريقة نفسها؟

لكل طفل قدراته واهتماماته وسرعته الخاصة في التعلم. فهناك من يتفوق أكاديميًا، وهناك من يبدع في الفن أو الرياضة أو القيادة أو حل المشكلات. النجاح ليس قالبًا واحدًا، والدرجات ليست المقياس الوحيد لقيمة الإنسان أو مستقبله.

في نهاية المطاف، يحتاج الأبناء خلال موسم الاختبارات إلى الدعم أكثر من الضغط، وإلى الطمأنينة أكثر من المقارنة. يحتاجون إلى من يقول لهم إن قيمتهم لا تختصرها ورقة اختبار، وإن الحب لا يُمنح بحسب الدرجة، وإن الاحتفال الحقيقي ليس فقط بالنتيجة، بل بالجهد والمحاولة والثبات.

فالاختبارات أيام وتمضي، أما الكلمات والمشاهد التي يشعر معها الطفل بأنه غير كافٍ أو أقل من غيره، فقد تبقى آثارها في نفسه سنوات طويلة.

ليس كل ضغط يصنع متفوقًا؛ فبعض الضغوط تصنع طفلًا قلقًا يظن أن قيمته في الحياة لا تتجاوز رقمًا في ورقة اختبار

اظهر المزيد

‫4 تعليقات

  1. رسالة مهمة لكل أسرة
    الأبناء يحتاجوا للشجيع أكثر من المقارنة وللاحتواء أكثر من الضغط حقيقي طرح رائع يذكرنا بأن صحة أبنائنا النفسية لا تقل أهمية عن تفوقهم الدراسي فليس كل ضغط يصنع النجاح بل قد يصنع قلقًا يستمر لسنوات .

  2. احسنتي الكتابة في هذا الموضوع الذي لام يسلط عليه الضوء منذ مدة

    1. طرح مميز يسلط الضوء على قضية مهمة يغفل عنها كثيرون . ومن المهم التأكيد على أن النجاح لا يُقاس بالدرجات وحدها، وأن الدعم النفسي والطمأنينة قد يكونان أعظم هدية نقدمها لأبنائنا خلال موسم الاختبارات. عندما يشعر الطفل أن قيمته لا ترتبط بنتيجته، يصبح أكثر قدرة على التعلم والنمو بثقة. شكرًا على هذا الطرح الهادف والإنساني.

  3. ما شاء الله، قلم ينبض بالوعي والرحمة. مقال استثنائي يوقظ القلوب قبل العقول، شكرًا لك على هذا الطرح العظيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى