مقالات

في صالة المغادرة… لكل إنسان رحلة لا نراها

أجلس الآن في صالة الانتظار بالمطار.

وحولي عشرات الأشخاص.

كل واحد منهم ينظر إلى بوابته.

أو يحتسي قهوته.

أو يحدق في شاشة هاتفه.

أو يراقب الطائرات وهي تقلع واحدة تلو الأخرى.

وأجد نفسي أفعل شيئًا لا علاقة له بالسفر.

أراقب الوجوه.

وأتساءل…

كم قصة تجلس معي في هذه الصالة الآن؟

ذلك الرجل الذي يبدو هادئًا…

هل هو ذاهب إلى حلم انتظره سنوات؟

أم يعود إلى وطن غاب عنه طويلًا؟

وتلك السيدة التي تبتسم وهي تتحدث في الهاتف…

هل تخفي خلف تلك الابتسامة وداعًا مؤلمًا؟

وذلك الشاب الذي يضغط على شاشة هاتفه بسرعة…

هل يرسل رسالة أخيرة قبل الإقلاع؟

أم يحاول أن يؤجل قرارًا لا يريد اتخاذه؟

أراقب طفلًا يركض بين المقاعد.

وأمه تناديه وهي تضحك.

وأفكر…

كم سيكبر هذا الطفل قبل أن يعود إلى هذا المطار مرة أخرى؟

وهل سيتذكر هذه الرحلة أصلًا؟

الغريب أن المطارات تجمع بشرًا من كل مكان…

لكنها لا تكشف شيئًا عنهم.

لا أحد هنا يعرف اسم الآخر.

ولا مهنته.

ولا عمر الحزن الذي يحمله.

كل ما نراه حقائب…

أما الأثقال الحقيقية فلا يحملها أحد بيده.

هناك من يحمل خوفًا.

ومن يحمل شوقًا.

ومن يحمل قرارًا غيّر حياته.

ومن يحمل خبرًا سعيدًا لم يخبر به أحدًا بعد.

ومن يحمل وجعًا يحاول أن يبدو طبيعيًا رغم ثقله.

وأدركت وأنا أنظر إلى كل هذه الوجوه أن الإنسان بارع في إخفاء ما يشعر به.

قد يجلس بجوارك شخص يعيش أجمل يوم في حياته…

ويجلس في المقعد الآخر شخص يعيش أصعب أيامها.

وأنت لن تعرف أيهما هو.

لهذا أصبحت أقل استعجالًا في الحكم على الناس.

فالوجوه تخبرنا بالقليل…

أما القصص الحقيقية، فتعيش في الداخل.

وربما لهذا أحب المطارات.

ليس لأنها أماكن للسفر…

بل لأنها تذكرني في كل مرة أن لكل إنسان رحلة لا أراها، ومعركة لا يتحدث عنها، وحلمًا يسافر إليه بطريقته الخاصة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى