
هناك مهن لا تختفي في يوم واحد.
لا يصدر عند اختفائها إعلان، ولا تقام مراسم لتوديعها.
تتراجع بهدوء، حتى يكتشف الناس بعد سنوات أنهم لم يعودوا يرون أصحابها.
من هذه المِهن مصلح الساعات.
كان صاحب هذه المهنة يعرف أسرار القطع الصغيرة داخل الساعة.
يفتح الغطاء بحذر، ويبحث عن العطل بعدسة صغيرة.
أما اليوم، فكثيرون يفضلون شراء ساعة جديدة بدل إصلاح القديمة او يقتونون الساعات الالكترونية .
والشيء نفسه يحدث مع إصلاح الأحذية.
كان الإسكافي يعرف زبائنه، ويحفظ مقاساتهم، ويميز نوع الجلد من لمسته.
اليوم، أصبحت الأحذية أرخص وأسهل استبدالًا.
لذلك لم يعد إصلاحها خيارًا شائعًا كما كان.
حتى بائع الصحف أصبح مشهدًا نادرًا في الشوارع.
فالخبر يصل إلى الهاتف المحمول او عبر الصحيفة الالكترونية قبل أن تصل الصحيفة إلى الرصيف.
ولا يحتاج القارئ إلى انتظار الصباح لمعرفة ما حدث في العالم.
لكن الصحيفة الورقية كانت أكثر من وسيلة للأخبار.
كانت موعدًا يوميًا، ومكانًا للقاء، وطريقة لبدء الحديث.
وكان بائعها يعرف الوجوه التي تمر أمامه كل صباح.
بعض المهن اختفت لأن التكنولوجيا جعلت الحياة أسرع.
وبعضها اختفى لأن الناس لم يعودوا يريدون دفع تكلفة الإصلاح.
فشراء الجديد يبدو أحيانًا أسهل من المحافظة على القديم.
لكن السرعة لا تعني دائمًا حياة أفضل.
فعندما تختفي مهنة، يختفي معها جزء من المعرفة.
تختفي طريقة في التعامل مع الأشياء، ومهارة انتقلت من جيل إلى جيل.
يختفي أيضًا نوع من العلاقات بين صاحب المهنة وعميله.
العلاقة التي تقوم على الثقة، لا على رقم الطلب وتقييم الخدمة.
في الماضي، كان إصلاح الكرسي أو الجهاز يمنحه فرصة جديدة.
أما اليوم، فكثير من الأشياء مصممة كي تُستبدل لا كي تُصلح.
وهذا يجعلنا نستهلك أكثر، ونحتفظ بالأشياء مدة أقصر.
قد لا نستطيع إنقاذ كل المهن القديمة.
فبعضها انتهى زمنه بالفعل، وظهرت بدائل أكثر كفاءة.
لكن يمكننا أن نسأل قبل أن نرمي شيئًا: هل يمكن إصلاحه؟
وأن نتذكر أن المهارة لا تقل قيمة لأنها قديمة.
فالعالم لا يحتاج دائمًا إلى اختراع جديد.
أحيانًا يحتاج فقط إلى شخص يعرف كيف يحافظ على الموجود.
