مقالات

هل تسقط العلاقات في الخريف كما تسقط أوراق الشجر؟

يأتي الخريف فتتغير ملامح الأشياء بهدوء. تخف حرارة الأيام، يقصر النهار، وتتبدل ألوان الأشجار قبل أن تبدأ أوراقها بالتساقط واحدة تلو الأخرى. بعضها يبقى طويلًا متشبثًا بغصنه، وبعضها تحمله أول ريح، حتى تبدو الشجرة وكأنها تتخفف تدريجيًا مما لم يعد قادرًا على البقاء معها.
مع بداية الخريف تتكرر العبارة نفسها: إنه موسم سقوط العلاقات وتصفية الأشخاص من حياتنا، وكأن البشر أوراق شجر تنتظر تغير الفصل لتقرر الرحيل. التشبيه جميل، وربما لهذا انتشر، فالخريف بالنسبة إلى كثيرين بداية انسحاب هادئ إلى الداخل. تقل الرغبة في الخروج، ويصبح البيت أكثر جاذبية، ويضيق المزاج أحيانًا بالضجيج والمناسبات واللقاءات. ومع قصر النهار وتغير الضوء والطقس، قد يتغير النوم والمزاج والطاقة لدى بعض الأشخاص، فيصبح الخريف فعلًا موسمًا أقل صخبًا وأكثر ميلاً إلى العزلة.
ولدى بعض الناس يتحول الأمر مع السنوات إلى روتين موسمي شبه ثابت. ما إن يدخل الخريف حتى تبدأ مراجعة الدوائر القريبة: من بقي حاضرًا فعلًا؟ من اختفى؟ وأي علاقة ما زالت موجودة بالاسم فقط؟ وقد يصبح مرور خريف كامل على شخص لم نعد نسمع له حسًا، ولم يعد بيننا وبينه سؤال أو لقاء أو حضور حقيقي، كافيًا لإعادة وضعه خارج الدائرة القريبة. ليست خصومة ولا قرارًا دراميًا، وإنما ترتيب جديد للمسافات.
وربما لهذا تبدو فكرة «تصفية العلاقات في الخريف» مقنعة لمن يمر بهذه الحالة. ما يحدث في الحقيقة أقرب إلى تصفية داخلية؛ تقل الحركة الخارجية، ويزداد التفكير، فتصبح بعض العلاقات أوضح. وقد يبتعد شخص عن علاقة، بينما يتمسك آخر بعلاقة أكثر لأنه اكتشف قيمتها. فالعزلة لا تكشف دائمًا من نريد إخراجه من حياتنا، بل قد تكشف أيضًا من نريد الاحتفاظ به.
وفي هذه المراجعة قد نكتشف أن بعض العلاقات لم تنتهِ فجأة كما تصورنا، وإنما انتهت منذ وقت طويل من دون إعلان. توقفت المكالمات، وقلت اللقاءات، وغاب السؤال، وبقي الاسم فقط في قائمة طويلة من المعارف. يأتي الخريف أحيانًا فلا يسقط هذه العلاقات، وإنما يجعلنا نلاحظ أنها سقطت بالفعل منذ زمن.
والأهم أن الميل إلى الانسحاب في هذه الفترة لا يعني بالضرورة وجود مشكلة. بعض الناس يحتاجون بطبيعتهم إلى مواسم يقل فيها حضورهم الاجتماعي، ويستعيدون خلالها هدوءهم ومساحتهم الخاصة.
ولعل أجمل ما في تشبيه العلاقات بالخريف أن الشجرة لا تسقط كل أوراقها لأنها تكرهها، ولا تحتفظ بكل ورقة لأنها اعتادت وجودها. إنها تدخل موسمًا جديدًا أخف مما كانت عليه. ونحن أيضًا قد نحتاج أحيانًا إلى أن ننظر إلى دوائرنا بهذه البساطة: بعض العلاقات تستمر، وبعضها تتغير مسافتها، وبعضها يكون قد أدى دوره وانتهى.
فالخريف لا يقرر من يسقط من حياتنا، لكنه قد يكون الوقت الذي ننتبه فيه إلى الأوراق التي لم تعد متصلة بأغصاننا منذ زمن.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى