لماذا أصبحنا نحب أن نكون هناك؟

قبل سنوات، كان حضور فعالية ثقافية أو أمسية أدبية أو نشاط رياضي أمرًا يخص المهتمين به غالبًا. اليوم تبدو الصورة مختلفة؛ فعاليات تمتلئ، وأندية ثقافية وأدبية تجذب وجوهًا جديدة، ومجموعات للجري والمشي تكبر، وورش للرسم والفنون والحرف تجد من يحجز لها وينتظر موعدها. حتى الفعاليات الصغيرة أصبح لها جمهور يبحث عنها ويتنقل بينها.
واللافت أن الإقبال لا يتعلق دائمًا بمحتوى الفعالية وحده. أحيانًا نذهب من أجل محاضرة أو معرض أو سباق، ثم نكتشف أن جزءًا كبيرًا من المتعة كان في وجودنا وسط آخرين يشاركوننا الاهتمام نفسه. الحديث قبل البداية، والتعارف، وتبادل الآراء بعد النهاية، وحتى انتظار الدخول تصبح جزءًا من التجربة.
ونرى ذلك بوضوح في مدن المملكة؛ فتنوع الفعاليات خلال السنوات الأخيرة فتح أمام الناس خيارات كثيرة. هناك من وجد ناديًا للكتاب، ومن انضم إلى مجموعة للمشي أو الجري، ومن أصبح يتابع المعارض والأمسيات واللقاءات الثقافية، ومن اكتشف من خلال ورشة أو فعالية هواية لم يكن يعرف أصلًا أنه يحبها. ومع تعدد الخيارات أصبح الخروج مرتبطًا بالتجربة والاكتشاف أكثر من ارتباطه بالمكان فقط.
ومن الظواهر اللافتة أيضًا أن أنشطة اعتدنا ممارستها بصورة فردية بدأت تكتسب طابعًا جماعيًا. نستطيع أن نمشي أو نجري وحدنا، ونقرأ كتابًا بمفردنا، ونتعلم مهارة في المنزل، ومع ذلك أصبح كثيرون يفضلون ممارستها ضمن مجموعات. نرى ذلك في نوادي المشي والجري والقراءة، والورش الفنية والحرفية، واللقاءات الثقافية والتطوعية. وكأن النشاط أصبح فرصة لهدفين في الوقت نفسه: أن نفعل شيئًا نحبه، وأن نلتقي بأشخاص يشاركوننا الاهتمام نفسه.
وقد يكون هذا أحد أسباب ازدهار الأندية الثقافية والأدبية والرياضية والاجتماعية؛ فهي تمنح الإنسان شيئًا يتجاوز النشاط الموجود في جدولها. النادي الذي يبدأ بكتاب أو رياضة أو هواية قد يصنع مع الوقت دائرة من المعارف، وشعورًا بالألفة والانتماء إلى مجموعة يجمعها اهتمام مشترك. وقد يأتي الشخص للمرة الأولى من أجل النشاط، ثم يعود في المرة التالية لأن المكان نفسه أصبح مألوفًا والوجوه لم تعد غريبة.
ولهذا فإن امتلاء الفعاليات لا يعني أن الناس يبحثون طوال الوقت عن الترفيه. هناك رغبة واضحة في الخروج من الروتين، وتجربة شيء جديد، والوجود في مكان يحدث فيه شيء حقيقي أمامنا، مع أشخاص حضروا للسبب نفسه. وربما لهذا أصبحت بعض الفعاليات تُحجز سريعًا، وبعض الأندية تتحول من لقاء صغير إلى مجتمع يعرف أفراده بعضهم بعضًا.
فنحن قد نذهب إلى الفعالية من أجل ما سيحدث فيها، ثم نعود ونحن نتذكر الأشخاص الذين قابلناهم، والحديث الذي دار، والتجربة التي شاركناها. وربما لهذا أصبح الحضور نفسه جزءًا من المتعة؛ فالإنسان ما زال يحب أن يكون بين الناس، وأن يشعر بأنه كان هناك.