بقلم: سُليمان شودري
بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية (١٠ أكتوبر/تشرين الأول)، أعبّر عمّا اختلج في صدري، واستقرّ في نفسي منذ زمنٍ طويل؛ غير أنّني هذه المرّة أُسلِّط الضوء على قضيةٍ قد تُضاعف معاناةَ المريض النفسيّ، وتزيد من ثِقل الأمر عليه؛ ألا وهي غلاء تكاليف العلاج، وما يترتّب عليه من معاناةٍ تُضاف إلى معاناة.
ألا إنّه لمن المؤلم أن يجد المريض نفسه بين وجعين: وجع المرض الذي يُنهك نفسه، ووجع التكاليف التي تُثقِل كاهله! فمن الناس من يعاني البطالة، ومنهم من لا يكاد دخله يفي بضرورات معيشته، ثمّ يُطالَب بتكاليف علاجيّةٍ تفوق قدرته الماديّة، وتضيق بها ذات يده؛ فيغدو العلاج الذي يُرجى منه تخفيف العناء سببًا في عناءٍ آخر، وتصبح الحاجة إليه أشدّ، والقدرة عليه أضعف!
ولستُ أُنكر على أهل الاختصاص حقّهم في الأجر، ولا أتجاهل ما تتطلّبه الممارسة الطبية من تكاليف؛ لكنّ المؤلم حقًّا أن تتحوّل الكلفة إلى حاجزٍ بين المريض وحقّه في الرعاية، وأن يجد المتألّم أبواب العلاج موصدةً أمامه؛ لا لندرة الدواء، ولا لاستحالة الشفاء، بل لعجزه عن تحمّل النفقات.
وما أشدّ وطأة ذلك على من تشتدّ معاناتهم، فتتأثّر حياتهم وعلاقاتهم وأعمالهم، وربّما تضاعفت عليهم مشاعر اليأس والعزلة، وبلغ الأمر ببعضهم إلى التفكير في إنهاء حياتهم؛ والمرض النفسيّ ليس هيّنًا حتى يُستهان بآثاره، ولا أمرًا شخصيًّا تنحصر تبعاته في صاحبه؛ بل قد يمتدّ أثره إلى الأسرة والمجتمع.
وممّا يزيد الأمر سوءًا أنّ تبعات غلاء العلاج لا تقف عند حدود المعاناة النفسيّة والاجتماعيّة؛ بل قد تتجاوزها إلى ما هو أشدّ خطرًا، حين يدفع تعذّر الوصول إلى العلاج المتخصّص بعضَ المرضى وأهاليهم إلى الاستعانة بممارساتٍ لا تستند إلى دليلٍ علميٍّ معتبر، أو اللجوء إلى من يدّعون علاج الاضطرابات النفسيّة بوسائل غير مثبتة؛ فتزداد العلّة بدلًا من أن تخفّ، ويضيع المال، ويطول الانتظار، وتتأخّر الرعاية التي يحتاجها المريض.
كعلاجات الطاقة، وما يكتنف بعض ممارساتها من إشكالاتٍ عقديّةٍ ودينيّة، فضلًا عن افتقار دعاواها العلاجيّة إلى الأدلّة العلميّة المعتبرة، والتفصيل في ذلك يطول؛ أو اللجوء إلى أدعياء العلاج الروحانيّ، الذين يزعم بعضهم الاستعانة بالجنّ في تشخيص الأمراض وعلاجها، فيفتحون على المرضى أبوابًا من الوهم والخوف والاستغلال، وقد يزيدون معاناتهم بتأخير علاجهم الصحيح.
ومن ذلك -أيضًا- ذهاب بعض الناس بمرضاهم النفسيّين إلى الرقاة والمشايخ والمقرئين؛ ظنًّا منهم أنّ كلّ مرضٍ نفسيٍّ مرضٌ روحيّ، وليس في إثبات مشروعيّة الرقية ما يقتضي اتّخاذها بديلًا عن الطبّ، ولا في الإيمان بالأسباب الروحيّة ما يُسوّغ إهمال الأسباب الطبيّة؛ فلكلّ علمٍ أهلُه، ولكلّ داءٍ من يُحسن تشخيصه وعلاجه.
أرأيتَ لو كنتَ مصابًا بالزكام، أكنتَ تذهب إلى طبيب العظام؟! فكذلك الأمراض النفسيّة؛ لا ينبغي أن يُترك تشخيصها وعلاجها لغير أهل اختصاصها.
وأمّا من يزعم أنّ الأمراض النفسية تُعالَج بمجرّد التقرّب إلى الله، والمداومة على الصلاة وقراءة القرآن، دون حاجةٍ إلى الطبيب أو المختصّ؛ فإنّه يخلط بين ما يُعين الإنسان على السكينة والطمأنينة، وبين ما يحتاج إليه من علاجٍ طبيٍّ ونفسيٍّ متخصّص.
وليس في الأخذ بالأسباب الطبية ما يُنافي التوكّل على الله؛ أرأيتَ لو أُصيب شخصٌ بورمٍ -جُنِّبتَ السوء-، أكان يكتفي بالدعاء والرقية، ويُعرض عن الطبابة والعلاج؟ فلماذا نُجيز للجسد ما نُنكره على النفس؟!
الاضطرابات النفسية ليست مجرّد حزنٍ عابر، ولا دليلًا على ضعف الإيمان أو قلّة الصبر؛ بل هي حالاتٌ صحيةٌ معقّدة، تتداخل في نشأتها عواملُ نفسيةٌ وبيولوجيةٌ واجتماعية، وتحتاج إلى تشخيصٍ صحيح وعلاجٍ يناسب حال المريض؛ نفسيًّا كان أو دوائيًّا أو جامعًا بينهما.
ولهذا.. فلو كان لي من الأمر شيء؛ لسعيتُ إلى وضع ضوابطَ عادلةٍ وميسّرةٍ لتكاليف الجلسات النفسية، وتوسيع نطاق الخدمات المدعومة والتغطية التأمينية، وتوفير تسهيلاتٍ خاصةٍ لذوي الدخل المحدود، ولمن انقطع عنهم الدعم المادي، ولو كانت أسرهم ميسورة الحال؛ إذ ليست قدرة الأسرة المالية دليلًا بالضرورة على قدرة المريض نفسه.
وإنّني لأوجّه ندائي إلى أهل الاختصاص، وصنّاع القرار، وكلّ من بيده سبيلٌ إلى التيسير:
انظروا إلى هذه القضية بعين المسؤولية، لا بعين الأرقام وحدها، واستمعوا إلى أصوات المرضى، وأدركوا أنّ وراء كلّ حالةٍ إنسانًا يتألّم، ووراء كلّ جلسةٍ مؤجّلة معاناةً قد تتفاقم.
فلا تجعلوا كلفةَ العلاج تُضاعف ألمَ المريض، ولا تتركوا مَن أرهقه الداءُ فريسةً للغلاء؛ فما زالت الفرصةُ سانحة، وما زال بابُ الإصلاح مفتوحًا؛ فأسعفوهم قبل فوات الندم؛ ولاتَ ساعةَ مَنْدَمٍ!
بقلم:
سُليمان شودري
