مقالات

الحدود التي تأخرت في رسمها..

في البداية، قد تكون مجرد كلمة لم تعجبك ، ضحك الجميع، وضحكت معهم، وقلت في نفسك: “يمزح.” وفي المرة الثانية، كررها الشخص نفسه، ثم تصبح طريقته المعتادة في الحديث معك، ثم بدأ يقولها أمام الآخرين. وبعد أشهر، أصبحت لقبًا يناديك به الجميع، لأنه تعلم من صمتك أن هذه المساحة مباحة , بينما أنت تتساءل متى فقدت حقك في الاعتراض.
هكذا تبدأ معظم الحدود التي تُكسر. ليس بضربة واحدة، بل بخطوة صغيرة سكتَّ عنها، ثم خطوة أخرى، حتى أصبح ما كان يزعجك في البداية أمرًا معتادًا في النهاية.
قد يبدأ الأمر بصديق يستعير شيئًا من أدواتك الشخصية دون أن يستأذن ، ثم يصبح الاستئذان مجرد رسالة بعد أن يأخذها، وبعد فترة، لا يعود يرى أن هناك حاجة إلى السؤال أصلًا، لأنه اعتاد أن بابك مفتوح دائمًا.
وقد يبدأ بقريب يطلب أن يبيت عندك ليلة واحدة. ثم تصبح الليلة ليلتين، وبعدها يتصل وهو في الطريق ليخبرك أنه سيأتي، لا ليسألك. ثم يأتي يوم يفاجئك بأنه حضر ومعه صديق، وكأن بيتك امتداد طبيعي لبيته.
وقد يكون في الهاتف. يتصفح صورك دون أن تطلب منه، أو يفتح رسائلك بدافع الفضول، أو يسأل عن أمور خاصة جدًا، ثم يستغرب إذا شعرت بالانزعاج. ليس لأنه سيئ، بل لأنه لم يجد منك في البداية حدًا يخبره أن هذا ليس من حقه.
والمشكلة أن الناس لا تختبر حدودك مرة واحدة، بل تراقب رد فعلك. فإذا لم يجدوا إشارة واضحة، افترض بعضهم أن الطريق مفتوح. وليس كل من يتجاوز حدودك يقصد الإساءة، فكثير منهم يعتقد أنه لم يفعل شيئًا خاطئًا، لأنك لم تقل يومًا إن هذا يزعجك.
ولهذا، فإن الحدود لا تُرسم عندما يمتلئ القلب بالغضب، بل منذ الموقف الأول. فالكلمة التي تؤذي تُوقف عند أول مرة، والخصوصية تُحمى من أول تجاوز، والطلبات التي لا تناسبك تُرفض بأدب منذ بدايتها. لأن ما تقبله مرة، سيفهمه الآخر غالبًا على أنه أمر طبيعي.
ومن الأخطاء التي يقع فيها كثير من الناس أنهم يخلطون بين اللطف والتنازل. فيظنون أن وضع الحدود قسوة، وأن الرفض وقاحة، وأن قول “لا” سيجعلهم أقل محبة في عيون الآخرين. بينما الحقيقة أن العلاقات الصحية لا تقوم على إلغاء نفسك، بل على احترام المساحة بينك وبين غيرك.
والمفارقة أن الأشخاص الذين يغضبون لأنك وضعت لهم حدًا، هم غالبًا أكثر من استفاد من غياب هذا الحد. أما من يحترمك حقًا، فلن ينزعج من وضوحك، لأنه لا يريد علاقة تقوم على استغلال صمتك.
الحياة لا تطلب منك أن تكون قاسيًا، لكنها تطلب منك أن تكون واضحًا. فالحدود ليست جدرانًا تبعد الناس، بل أبوابًا تخبرهم من أين يدخلون، وإلى أين يقفون.
وفي النهاية، لا تتذكر اللحظة التي تجاوز فيها الآخر حدودك فقط… تذكر اللحظة التي كنت قادرًا فيها على إيقافه واخترت الصمت. فمعظم الحدود لا يكسرها الآخرون من أول مرة، انما نسمح لها نحن أن تتآكل، حتى يصبح إصلاحها أصعب من رسمها منذ البداية.

اظهر المزيد

‫3 تعليقات

  1. “، لخصتِ كل اللي بقلوبنا بكلمات تدرس. صدقتي والله، الصمت هو اللي يفتح الباب للتجاوز. مبدعة يا (أمل) ودائمًا كتاباتك تفتح العين وتلامس الروح، كل الدعم لك.”
    متابعتك بشغف (موررري)🤗

  2. “مقال في الثمانيات! لخصتِ كل اللي بقلوبنا بكلمات تدرس. صدقتي والله، الصمت هو اللي يفتح الباب للتجاوز. مبدعة يا ،،أمل، ودائمًا كتاباتك تفتح العين وتلامس الروح، كل الدعم لك.”

  3. مقال يذكّرنا أن حماية كرامتنا مسؤوليتنا قبل أن تكون مسؤولية الآخرين.
    ليس كل ما نسكت عنه يمر، بعض السكوت يعلّم الآخرين كيف يتجاوزوننا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى