مقالات

الكرم لا يكتمل بالعطاء وحده…

في ثقافتنا، لم يكن فنجان القهوة يومًا مجرد مشروب.
ولا قطعة الحلوى مجرد سكر.
ولا التمرة مجرد طعام.
كانت دائمًا تقول شيئًا لا يُقال بالكلمات.
“تفضل…”
يعني: أنت مرحب بك
وأحيانًا، يمد لك أحدهم قهوة أو قطعة حلوى، فتردها بسرعة:
“لا، شكرًا.”
ربما لأنك شبعان.
أو لأنك لا تحبها.
أو لأنك على حمية غذائية.
لكن الطرف الآخر قد لا يرى ما رأيته أنت.
هو لا ينظر إلى القهوة…
بل إلى المبادرة.
إلى الرغبة في مشاركتك شيئًا مما عنده.
ولهذا، تربت أجيال كثيرة على أن قبول الضيافة، ولو بقدر يسير، ليس حاجة إلى الطعام، بل تقدير لصاحب الدعوة.
فقد تشرب رشفة واحدة.
أو تأخذ قطعة صغيرة وتحتفظ بها إلى جانبك.
ليس لأنك تحتاجها…
بل لأنك لا تريد أن تعود اليد التي امتدت إليك بالخير خالية.
ولعل أجمل ما في هذه العادة أنها لم تكن قائمة على قيمة ما يُقدَّم، بل على قيمة المشاعر التي يحملها.
فالكرم لا يقاس بحجم الفنجان… و ايضاً الامتنان لا يقاس بعدد اللقمات.
ومع تغير أنماط الحياة، قد نختلف في طريقة التعبير عن الامتنان، وقد تكون هناك أسباب صحية أو شخصية تجعل الإنسان يعتذر عن الضيافة، وهذا حقه الكامل. لكن ما يستحق أن يبقى حاضرًا هو ألا ننسى أن خلف كثير من التفاصيل الصغيرة مشاعر كبيرة، وأن قبول المبادرة أو شكرها بصدق يحافظ على ذلك الخيط الجميل الذي يربط الناس ببعضهم.
فبعض الأيادي لا تمد للإطعام … إنما تمد المودة.
نحن نتحدث كثيرًا عن كرم العطاء، لكننا ننسى أن هناك كرمًا آخر لا يقل جمالًا… كرم التقبّل.
فليس الكرم أن تمد يدك بالخير فقط، بل أن تعرف أيضًا كيف تستقبل خير الآخرين.
أن تقبل المبادرة بابتسامة.
أن تقدر النية قبل أن تنظر إلى ما قُدم لك.
أن تشعر الطرف الآخر بأن لفتته وصلت إلى قلبك، حتى لو لم تكن بحاجة إلى ما في يده.
ولهذا، كان بعض الكبار يقولون: “لا ترد يدًا امتدت إليك بخير.”
ليس لأنك ملزم بالأكل أو الشرب، بل لأنك لا تريد أن يعود صاحب المبادرة وهو يشعر أن محبته لم تجد مكانًا.
وقد لا تستطيع أن تشرب القهوة، أو تأكل قطعة الحلوى، وهذا حقك، لكن يمكنك أن تقبلها وتشكر صاحبها، أو تحتفظ بها إلى وقت آخر. فالأشياء الصغيرة قد تنتهي في دقائق، أما أثر التقدير فيبقى طويلًا.
فالكرم لا يكتمل بالعطاء وحده…
بل يكتمل أيضًا بإنسان يعرف كيف يتلقى المودة كما يتلقّى الهدية، وكيف يحفظ خاطر من أراد أن يقول له: “لك عندي مكان.”

اظهر المزيد

تعليق واحد

  1. اعتقد ان الثقافه مختلفه من مكان لاخر
    قد تجد في بعض الاماكن الثقافات لا يهتمون بضيافتك
    وفي بعض الاماكن يحرصون كل الحرص على اكرام الضيف
    موضوع كبير جدا والحوار فيه شيق
    شكرا لمن قام بفتح موضوع عميق جداً بين الثقافات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى