بذور الوفاء ..

لستُ ممن يمر على اللطف مرور العابرين، ولا ممن يعتادون الجميل حتى يفقد قيمته ، كل كلمة طيبة، وكل موقف نبيل، وكل يد امتدت بالعون ، تجد في داخلي مكانًا لا يبهت مع الأيام ، فبعض الأفعال لا تقاس بحجمها، بل بالأثر الذي تتركه في الأرواح.
لا أرى الإحسان عادة عابرة، ولا المجاملة مجرد كلمات تقال ثم تنسى، بل أراها رسالة رقيقة تخبرني أن الخير ما زال يسكن القلوب، وأن الإنسانية لا تزال تنبض في تفاصيل الحياة. لذلك، لا أتعامل مع المعروف كشيء انتهى بمجرد حدوثه، بل كبذرة جميلة تستحق أن تُروى بالوفاء والامتنان.
أحاول دائمًا أن يكون شكري أصدق من كلماتي، وأن يكون ردي على الجميل أجمل منه ، فإن لم أستطع أن أردّه لصاحبه في حينه، حملته في قلبي دعاءً صادقا، أو حفظته وفاءً لا يتغير، أو نقلته إلى شخص آخر يحتاج إلى ذات اللطف الذي وصلني. فالجمال الحقيقي لا يكتمل إلا حين يستمر في الانتقال من قلب إلى قلب.
الامتنان عندي ليس عبارةً تكتب، ولا كلمةً تقال على استحياء، بل هو أسلوب حياة. يظهر في حسن المعاملة، وفي حفظ الود، وفي عدم نسيان أصحاب الفضل مهما باعدت بيننا الأيام، لأن من منحنا لحظة راحة، أو كلمة رفعت معنوياتنا، أو موقفًا خفف عنّا ثقل الحياة، يستحق أن يبقى حاضرًا في الذاكرة بكل تقدير.
ولهذا، لا أنسى من أضاء لي طريقًا، ولو بكلمة، ولا أقلل من قيمة معروف ظنه صاحبه بسيطًا، بينما كان في قلبي عظيما. فالقلوب الراقية لا تنظر إلى الإحسان كدين يجب سداده، بل كزهرة أودعها أحدهم في طريقها، فتعتني بها، وتحفظ عبيرها، ثم تمضي لتزرع مثلها في طرق الآخرين… لعل أحدهم يجد فيها يوما ما وجدته أنا من دفء وأمل.
