ثلاثة أيام عالمية.. ودرس واحد في الإنسانية

في الخامس عشر من أكتوبر، اجتمعت ثلاث مناسبات عالمية تبدو متباعدة في موضوعاتها: اليوم الدولي للمرأة الريفية، واليوم العالمي للعصا البيضاء، ويوم التوعية بفقدان الحمل والرضّع. الأولى تتحدث عن نساء يعملن بعيدًا عن الأضواء، والثانية عن أشخاص يسعون إلى ممارسة حياتهم باستقلالية، والثالثة عن أسر تحمل ذكريات فقد لا يعرف الآخرون كيف يواسونها. وما يجمع هذه المناسبات هو سؤال يستحق أن نطرحه على أنفسنا: هل نفهم احتياجات الآخرين كما يشعرون بها، أم كما نتصورها نحن؟
هل تحظى المرأة الريفية بالتقدير الذي تستحقه؟
في القرى والمناطق الزراعية، تسهم نساء كثيرات في زراعة الأرض ورعاية المواشي وإعداد المنتجات وحفظ المهارات المتوارثة. وقد تنتقل خبراتهن من جيل إلى آخر دون أن تُكتب في الكتب أو تُعرض في المتاحف. وفي يوم المرأة الريفية، نتذكر أن وراء كثير من المنتجات التي تصل إلى موائدنا أيديًا تعمل وخبرات تستحق التقدير، وأن الاعتراف بدور هؤلاء النساء ينبغي أن يمتد إلى دعم فرصهن الاقتصادية والتعليمية وتحسين ظروف عملهن.
هل نعرف كيف نساعد دون أن نفرض مساعدتنا؟
قد نشاهد شخصًا يستخدم العصا البيضاء فنندفع إلى الإمساك بذراعه لمساعدته على عبور الطريق، دون أن نسأله إن كان يحتاج إلى ذلك. وربما تكون نيّتنا طيبة، لكن احترام استقلالية الإنسان يبدأ بمنحه حق الاختيار. فالعصا البيضاء وسيلة تساعد مستخدمها على الحركة والتعرف إلى محيطه، وهي أيضًا رمز للاستقلالية. وأحيانًا تكون أفضل مساعدة نقدمها سؤالًا بسيطًا: «هل تحتاج إلى مساعدة؟» ثم نحترم الإجابة.
وماذا عن الحزن الذي لا يعرف الآخرون كيف يواسونه؟
هناك أسر فقدت طفلًا أثناء الحمل أو بعد الولادة، ثم وجدت نفسها أمام عبارات يُقصد بها التخفيف، لكنها قد تزيد الألم، مثل التذكير بإمكانية الإنجاب مرة أخرى أو مطالبتها بتجاوز التجربة سريعًا. وقد يحتاج الأبوان إلى من يستمع إليهما، ويعترف بحزنهما، ويترك لهما مساحة للحديث أو الصمت. فالتعاطف يتطلب أن نحترم طريقة كل إنسان في التعامل مع فقده، دون تحديد المدة التي ينبغي أن ينتهي فيها حزنه.
ما الذي يجمع هذه التجارب المختلفة؟
يجمعها أننا قد نرى جزءًا من حياة الإنسان ونغفل ما وراءه. نرى منتجًا زراعيًا ولا نعرف من صنعه، ونرى عصا بيضاء فنفترض أن صاحبها يحتاج إلى مساعدتنا، ونرى أسرة تواصل حياتها بعد فقد مؤلم فنظن أنها تجاوزت حزنها. وفي كل حالة، يمكن أن يتغير تعاملنا حين نصغي أكثر، ونسأل قبل أن نفترض، ونعترف بأن للآخرين احتياجات وتجارب قد تختلف عما نعرفه.
ولعل تزامن هذه المناسبات الثلاث في يوم واحد فرصة لمراجعة تصرفات تبدو عادية في حياتنا اليومية؛ كيف نقدّر العمل الذي لا نراه؟ وكيف نقدم المساعدة باحترام؟ وكيف نواسي إنسانًا دون أن نفرض عليه طريقتنا في تجاوز الألم؟ إنها أسئلة تبدأ من مواقف بسيطة، لكنها تكشف الكثير عن طبيعة علاقاتنا بالآخرين.
فالإنسانية تظهر في تقدير من يعمل بصمت، واحترام من يختار الاستقلال، ومواساة من يحمل حزنًا لا نراه.