مقالات

حنين أبنائنا الغريب إلى زمن الثمانينيات.. الذي لم يعيشوه

يكفي أن نتجول قليلًا في وسائل التواصل لنلاحظ عودة عالم ظننا أنه انتهى. شباب يصورون انفسهم بأزياء مستوحاة من الثمانينيات، وتسريحات شعر قديمة، وكاميرات وأشرطة كاسيت وأجهزة تسجيل أصبحت مرغوبة من جديد. والأغرب أن كثيرًا ممن ينجذبون إلى هذا العالم اليوم لم يعيشوه أصلًا.
ولم تقتصر عودة الثمانينيات على الملابس والموسيقى. نراها في عودة السيارات الكلاسيكية والاهتمام بها، وفي المقاهي او بعض المطاعم التي تستعيد أثاث العقود الماضية وألوانها وأجهزة التلفاز والراديو القديمة وتفاصيل البيوت التي عرفها اابائنا و اجدادنا. وقد يدخل شاب في العشرينيات مكانًا صُمم بروح تلك السنوات، فيشعر نحوه بألفة غريبة، و كأنه يستعيد ذكرياته رغم أن كل ما حوله ينتمي إلى زمن سبق ولادته.
هذا الشعور معروف في الدراسات النفسية باسم (الحنين التاريخي) ؛ فالإنسان يستطيع تكوين ارتباط عاطفي بفترة لم يعشها من خلال الموسيقى والصور والأفلام وقصص العائلة والمقتنيات القديمة. ومع تكرار هذه التفاصيل أمامه، تتشكل في مخيلته صورة لذلك الزمن، حتى يصبح مألوفًا له من دون أن تكون لديه ذكريات شخصية عنه.
واللافت أن الظاهرة لم ترتبط ببلد أو ثقافة واحدة؛ فملامح العودة إلى الثمانينيات ظهرت بين الشباب في مناطق مختلفة من العالم، من الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية إلى الهند وتركيا وغيرها. وكأن حقبة انتهت قبل ولادة كثير منهم وجدت فجأة جمهورًا جديدًا يعيد اكتشاف موسيقاها وأزيائها وألوانها وأشياءها القديمة، كلٌ بطريقته ومن داخل ثقافته.
هذا الحنين ظهر بين أجيال جديدة في مجتمعات مختلفة حول العالم، وكأن الثمانينيات وجدت جمهورًا جديدًا بعد أكثر من أربعة عقود. ونرى صورته تتكرر بمواقع التواصل الاجتماعي باستعادة الجلسات العائلية القديمة و سفرة رمضان وذكريات المدرسة والطفولة، وأجهزة الألعاب القديمة، والحجلة والطائرات الورقية في الأحياء، والمشروبات الغازية في عبواتها الزجاجية القديمة وفي تفاصيل كانت يومًا جزءًا عاديًا من الحياة، ثم أصبحت اليوم موضع شغف لدى شباب جيل لم يعرفوها في زمنها.
ووصل الأمر إلى أن يرفع بعض الشباب صورهم الشخصية إلى أدوات الذكاء الاصطناعي ليشاهدوا كيف كان يمكن أن تبدو ملامحهم وملابسهم وصورهم لو عاشوا في الثمانينيات. يختارون تسريحات الشعر والملابس وألوان الصور القديمة، ثم ينشرون النتيجة وكأنهم يصنعون لأنفسهم ألبومًا من زمن لم يكونوا فيه. وهنا تصبح الظاهرة أكثر إثارة؛ لأن من يستعيدون هذا العالم اليوم ليسوا فقط من عاشوه ويتذكرونه، وإنما أبناء زمن آخر تمامًا.
والمفارقة الجميلة أن هذا الزمن المتطور، بكل ما فيه من تقنية وانفتاح على العالم، هو الذي أتاح للشباب أن يكتشفوا الثمانينيات من جديد؛ يسمعون موسيقاها، ويرون تفاصيل حياتها وأزياءها وسياراتها، ويستعيدون حتى شكل صورها القديمة. فالتقنية التي نعتقد أحيانًا أنها أبعدتنا عن الماضي، هي نفسها التي جعلت كل الأزمنة في متناول أيدينا. لذلك قد تبدو الأزمنة القديمة جميلة حين ننظر إليها من بعيد، لكن أجمل ما في الحاضر أنه منحنا القدرة على زيارة كل تلك الأزمنة دون أن نضطر إلى العيش فيها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى