مقالات

حين يضلّ الانبهار طريقه

أكثر ما يثير التأمل في الناس ليس ما يملكونه، بل الطريقة التي ننخدع بها نحن أمام ما يملكون. قطعة قماش، ساعة، سيارة، مكتب واسع، اسم لامع على حقيبة أو حذاء؛ أشياء صامتة، لكنها في لحظة معينة تصبح عند البعض شهادة غير مكتوبة على قيمة صاحبها. نمنحه اهتمامًا أكبر، نصغي إليه أكثر، ونفترض فيه الذوق والنجاح والاتزان، فقط لأن الصورة التي وصلتنا كانت مرتبة بما يكفي.
الممتلكات قد ترفع مستوى المظهر… لكنها لا ترفع مستوى الإنسان.
لكن القيمة الحقيقية لا تبدأ من الخارج. هناك أشخاص لو ارتدوا أبسط الأشياء بدا كل شيء عليهم مختلفًا، لأن حضورهم هو الذي يرفع ما حولهم. وهناك آخرون يحيطون أنفسهم بكل مظاهر الثراء، ثم لا يضيفون إليها شيئًا. في الحالة الأولى، الإنسان يمنح الشيء مكانته. وفي الحالة الثانية، الشيء يحاول عبثًا أن يمنح الإنسان مكانة لا يملكها من الداخل.
ليست كل قطعة فاخرة ترفع صاحبها، لكن بعض الأشخاص يرفعون قيمة أبسط قطعة يرتدونها.
لهذا تختل نظرتنا حين يصبح المظهر بديلًا عن المعدن. نخلط بين من يملك شيئًا ثمينًا، ومن هو ثمين بذاته. وبين من يلبس الأناقة، ومن تصدر عنه الأناقة في سلوكه وكلامه وطريقة احترامه للناس. فبعض الأشياء تلمع تحت الضوء، أما الإنسان فيُختبر عندما يغيب الضوء: في موقفه مع الضعيف، في طريقته عند الاختلاف، في وفائه حين لا يراه أحد، وفي قدرته على ألا يبيع مبدأه عندما تصبح المصلحة أقرب وأسهل.
رأيت أشخاصًا لا يملكون ما يخطف النظر، لكنهم يتركون أثرًا لا يزول بسهولة. ورأيت آخرين يدخلون المكان محاطين بكل أسباب الانبهار، ثم تكشفهم كلمة قاسية، أو نظرة استعلاء، أو جحود معروف، أو موقف صغير كان كافيًا ليظهر الفرق بين البريق والقيمة. أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى سقوط كبير حتى يُعرف، يكفي أن يتصرف في لحظة عادية على طبيعته.
لذلك لا أخشى على الناس من قلة ما يملكون بقدر ما أخشى عليهم من اختلال معيار القيمة. الفقر في الأشياء يُعوض، أما الفقر في المعنى فيظهر مهما حاول صاحبه أن يغطيه. فالإنسان الذي يملك قيمة في داخله يرفع الأشياء البسيطة معه، أما من لا يحمل قيمة حقيقية، فلن تنقذه أفخم الأشياء من انكشافه عند أول موقف.
الإنسان الواثق لا يحتاج إلى ماركة حقيقية ليبدو ذا قيمة.

اظهر المزيد

‫2 تعليقات

  1. فعلاً كلام جميل وعميق. كثير من الناس ينخدعون بالمظاهر ويعطون الأشياء قيمة أكبر من أصحابها، مع أن القيمة الحقيقية دائمًا تكون في حضور الإنسان، أخلاقه، فكره، وطريقة تعامله. الممتلكات قد تلفت النظر، لكنها لا تصنع قيمة حقيقية.👍

  2. “تسلم إيدك وعقلك وقلبك يا روحي.. الله لا يحرمني من وجودك ومن قلمك اللي دايم يذكرنا باللي يسوى واللي ما يسوى. أحبك وفخورة فيكِ لأبعد حد!”🤗

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى