رحلة الحج بين القديم والحاضر

بقلم الدكتور:ناصر بن عبدالله الخرعان
لقد توقفت عن الكتابة ردحا من الزمن ، لظروف خارجة عن إرادتي ، وها أنا أعود إليها بشوق تلفه اللهفة والحب لألج من غير استئذان!!
أحبتي:الحج وما أدراك ما الحج ، رحلات اختزلتها الذاكرة عبر التاريخ ، فالمشاعر المقدسة تهفو إليها القلوب قبل الأجساد ، لتذرف العيون الدموع فوق الأوجان ، ولِتُغسل القلوب من الأدران والشوائب!!فيصبح الحاج بعد أداء المناسك على الوجه المطلوب كيوم ولدته أمه!!
يا لها من بشارة من الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه ، قالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقولُ: منْ حجَّ فَلَم يرْفُثْ، وَلَم يفْسُقْ، رجَع كَيَومِ ولَدتْهُ أُمُّهُ. متفقٌ عَلَيْهِ.
لا شك أن الحج في كل أحواله تعب ونصب ومشقة بالغة ، وقد قال المولى سبحانه في كتابه العزيز“
(وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) سورة الحج 27
فقد كانت مكة المكرمة والمدينة المنورة مأوى أفئدة المسلمين قاطبة ، وكانت رحلات الحج قديما تأتي من الشام ، ومصر ، والعراق ، واليمن ، في طرق وعرة محفوفة بالمخاطر ، وقلة المؤونة من زاد أو ماء ، إلا ما كانت تقوم به بعض القبائل العربية من تزويد الحجاج بما ينقصهم ، وتقريهم ، ولم تكن الطرق مأهولة بالسكان ، بل كانت موحشة محفوفة بالمخاطر من سباع ولصوص وقلة آبار ، ومن نجى من كل ذلك قد لا ينجو من الأمراض المعدية والفتاكة التي لايوجدلها علاج في ذلك الوقت ، أو ينفد ما لديه من زاد أو ماء!! وكان الحجاج يكتبون وصاياهم قبل مجيئهم لأنهم لا يعلمون هل سيرجعون أم لا في رحلة تستغرق عدة أشهر منهم من يحج على راحلة ، ومنهم من يحج رديفا ، ومنهم يحج على رجليه!! والقصص التي وصلتنا متواترة أكبر شاهد على ذلك ، والمجال لا يتسع لذكرها ، ولعلي أفرد لها مقالا آخر بإذن الله.
وكانت رحلات الحج قديما تتكون من جماعات تتفق فيما بينها وتشد رحالها في رحلة إيمانية تبتغي بها وجه الله سبحانه ، فيبقى منهم من بقي ويرحل من كتب الله عليه الموت!!
وبعد أن تم توحيد المملكة العربية السعودية على يد الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه ساد الأمن بعد الله ثم بجهود رجال مخلصين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، فأبدل الله خوفهم أمنا ، وتناحرهم محبة وتباعدهم أخوّة ومودّة ، وتوالى الملوك من أبناء الملك عبدالعزيز -يرحمهم الله- حتى جاء عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ، وسمو نائبه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان يحفظهما الله ؛ لتبدأ فصول جديدة من التغيير في أمور الحج، وذلك بإنشاء شبكات للطرق البرية ، وسلسلة من خطوط السكك الحديدية والموانئ والمطارات الدولية العملاقة المنتشرة في جميع مناطق المملكة ، فأصبحت الرحلة التي كانت تستغرق شهورًا لا تتجاوز بضع ساعاتعلى أعلى المستويات
، والبوابات الجوية التي تعج بالوفود على مدار العاموالتي تستقبل مئات الآلاف من الحجاج والمعتمرين من مختلف أنحاء العالم أكبر دليل على ذلك ، بل إن هذهالمطارات لم تبق على هيئتها حيث دأبت الحكومة الرشيدة على توسعتها بشكل دائم مما جعلها ترفعالطاقة الاستيعابية بما يواكب الزيادة المستمرة في أعداد الزائرين للمملكة للحج والعمرة.
ولم تبق الخدمات اللوجستية على حالتها القديمة بل غيرت أنظمتها لتتصدر المشهد الحلول الرقمية والتقنيات الذكية ، التي سهّلت الإجراءات بشكل غير مسبوق، من خلال أنظمة إلكترونية متكاملة تُدار بتقنية وذكاء ، حينما استفادت من الذكاء الاصطناعيلتتبع حركة الحشود، وإصدار التصاريح، وتقديم الخدمات المتكاملة بمرونة وسرعة ويسر وسهولة ، عبر تطبيقات ذكية متعددة وبلغات مختلفة!!
وهناك مبادرة تسمى “طريق مكة”، أطلقتها المملكة لتيسير إجراءات الحجاج من بلدانهم ، ليتم استكمال كافة إجراءات الدخول من المطارات في الدول المستفيدة، والتحقق من الوثائق، وإصدار تأشيرات الدخول ، والتخليص الجمركي ، لتصل أمتعة الحاج مباشرة إلى مقر إقامته في المملكة، في تجربة تُجسّدواقعا ذكيا وتكاملا تقنيا غير مسبوق ، من بداية رحلته الإيمانية حتى الوصول.
وقبل بدء موسم الحج بشهرين على الأقل تهيء المملكة كافة إمكانياتها لخدمة ضيوف الرحمن ، وذلك بندب الآلاف من الجنود لتسيير وتيسير شؤون الحجاج في المشاعر المقدسة ورعاية شؤونهم ، وقد شارك آلاف المتطوعين من أبناء المملكة إخوانهم
في الميدان، لتقديم الدعم والإرشاد والمساندة، في مشهد يعكس روح العطاء ، ويُجسّد القيم السعودية في خدمة ضيوف الرحمن.
وقد نجحت المملكة ولله الحمد على الصعيد العالمي في إدارة الحشود ، حينما أصبحت مثلا عالميا في إدارة الملايين في وقت ومكان واحد!! ليستفيد العالم من هذه التجربة التي تخوضها المملكة بشكل مستمر كل عام.
كما استخدمت المملكة جميع إمكانياتها في إنشاء شبكة من القطارات التي تقل الحجاج والمعتمرين ، بالإضافة إلى القطارات الموجودة في المشاعر المقدسة.
وأحدثت الخدمات نقلة نوعية حينما تم استخدام الطيران العمودي في إسعاف المصابين في سرعة متناهية ، بل تم تطبيق منظومة من شبكة طائرات الدرون التي تنقل المواد الطبية والمستلزمات التي يحتاجها ضيوف الرحمن لتختصر مدة التوصيل من 120 دقيقة إلى 15 دقيقة فقط!!
وحينما أحدثت التوسعات المتلاحقة للحرم المكي والمدني ، ليكون معلما وصرحا لا يضاها ، لم تنس الدولة وفقها الله أدق التفاصيل بما في ذلك التكييف الذي عم سائر مرافق الحرم المكي والنبوي ، بل تم استخدام التكييف في المشاعر المقدسة في منى وعرفات ، بالإضافة إلى التشجير وتمديد الرذاذ في عدد من المساحات والطرق في المشاعر المقدسة.
خلاصة القول إن هذه الخدمات الكبيرة والتقنيات العظيمة لم تأت من فراغ ، بل من حب إيماني تمليه القلوب الطاهرة المحبة لهذا الدين ومن ينتسبون إليه.
دمتم بخير ومحبة.