ضَحِكٌ بلا استئذان

نادية الزهراني – جدة
لا أحد منا يخطط للضحك. ولا نجلس مع أنفسنا لنقرر أن نضحك بعد خمس دقائق، إنها لحظة تولد فجأة، وتختفي بسرعة، لكنها تترك خلفها سلسلة من التغيرات التي تمتد إلى الدماغ والقلب والرئتين وحتى جهاز المناعة.
كيف يقرر الدماغ أن هذا الأمر مضحك؟
قبل أن تخرج الضحكة، يكون الدماغ قد أجرى عملية معقدة خلال أجزاء من الثانية. فهو يحلل الموقف، ويقارنه بما هو متوقع، وعندما يكتشف مفارقة أو شيئًا غير متوقع وآمنًا، يرسل إشارات إلى مراكز المشاعر وعضلات الوجه والتنفس لتبدأ الضحكة.
لكن المدهش أن الدماغ لا يرى الأشياء بالطريقة نفسها عند الجميع؛ فهو يقيّم الموقف وفقًا للسياق، والتجارب، والحالة النفسية، لذلك قد يضحك شخص على موقف بينما لا يثير لدى آخر أي ابتسامة.
ماذا يحدث داخل الجسم عندما نضحك؟
يفرز الدماغ الإندورفين والدوبامين، فيشعر الإنسان بالراحة والسعادة، بينما ينخفض مستوى الكورتيزول، وهو هرمون التوتر. وتتسارع ضربات القلب قليلًا، ويزداد دخول الأكسجين إلى الرئتين، وتنقبض عضلات الوجه والصدر والبطن والحجاب الحاجز في تناغم دقيق.
هل الضحك معدٍ؟
من الظواهر أن الإنسان قد يضحك لمجرد سماع ضحكة شخص آخر. فالدماغ لا يتعامل معها كصوت فقط، بل كإشارة اجتماعية تفعّل مناطق مرتبطة بفهم المشاعر والاستجابة لها.ويُعتقد أن للخلايا العصبية المرآتية دورًا في ذلك
هل يستطيع الإنسان تغيير ضحكته؟
يمكنه أن يقلد ضحكات مختلفة أو يغيّر شدتها، لكنه لا يستطيع بسهولة تغيير ضحكته الطبيعية؛ لأنها تتشكل من تفاعل معقد بين تركيب الجهاز التنفسي، ونبرة الصوت، وطريقة عمل العضلات، والخصائص العصبية التي تميز كل إنسان ، حتى إن المقربين يستطيعون تمييز ضحكة من يعرفونهم وسط عشرات الأصوات.
كيف يمنع العقل الضحكة ؟
عندما يرى الإنسان موقفًا مضحكًا، يبدأ الدماغ بإطلاق إشارة الضحك بشكل تلقائي، لكن في اللحظة نفسها تتدخل القشرة الجبهية الأمامية؛ وهي الجزء المسؤول عن ضبط السلوك واتخاذ القرار.يبدأ العقل بتقييم الموقف، ويحاول كبح الضحكة عبر التحكم بالتنفس، وإشغال التفكير، وضبط عضلات الوجه.
لكن مقاومة الضحك ليست سهلة وكلما حاول الإنسان منعه أحيانًا زاد تركيزه عليه.
ففي لحظة واحدة تحدث معركة خفية داخل الدماغ جزء يريد إطلاق الفرح، وجزء يحاول السيطرة عليه… وهنا يظهر توازن الإنسان بين الشعور والعقل.
لماذا الانسان اذا ضحك لايتسطيع التحدث بوقت الضحك ؟
الضحك والكلام يتنافسان على الجهاز نفسه.فعندما تضحك، يرسل الدماغ إشارات إلى الحجاب الحاجز وعضلات الصدر والحنجرة والوجه، فتبدأ الرئتان بإخراج الهواء على دفعات قصيرة ومتقطعة. أما الكلام، فيحتاج إلى تدفق هواء هادئ ومستمر يمر عبر الحبال الصوتية حتى تتكون الكلمات بوضوح.
ومن أوجه الإعجاز أن الله جعل الضحك استجابة فطرية لا تحتاج إلى تعليم، وجمع بينه وبين البكاء في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾
اضحك… فربما تكون ضحكتك أثرًا لا تراه
الضحكة التي لا تتجاوز ثوانٍ، هي في حقيقتها منظومة دقيقة تعمل بتناغم مذهل، وقد تحمل أثرًا أكبر مما نتخيل و تمنح راحة لقلب متعب، أو تزرع طمأنينة في وجه عابر، أو تكون سببًا في تغيير لحظة إنسان دون أن نعرف.
فاضحك فكم من ضحكة خففت ألمًا لم يُحكَ، وكم من ابتسامة كانت رسالة أمل وصلت دون كلمات.
