مقالات

فخ الضحية: لماذا نخشى التراجع ونقدس العناد؟

بقلم: هناء الهجاري

لا أعلم حقيقة ما يدور في مخيلات البعض وإلى متى تظل القلوب قاسية رغم أن الحياة من حولنا تتغير كل يوم.

الأوضاع تتبدل والأخبار التي نشاهدها تحمل الكثير مما لا يسر الخاطر. أحداث تجعل الإنسان يقف طويلًا ويتساءل: إلى أين نمضي؟ ومع كل هذا التغير ما زال البعض يعاند ويتمسك بالموقف ذاته وكأن الزمن توقف عند لحظة معينة وكأن الاعتراف بالخطأ هزيمة والتراجع عن موقف خاطئ ضعف.

والأغرب من ذلك أن البعض يصر على رؤية نفسه ضحية في كل حكاية فلا يرى إلا ما فعله الآخرون به ولا يتوقف ليسأل نفسه: ماذا فعل هو؟

مواجهة النفس.. الأصعب دائمًا

مواجهة الآخرين أسهل بكثير من مواجهة النفس. فمن السهل أن نروي الحكاية بالطريقة التي تجعلنا أبرياء دائمًا ونضع اللوم على الآخرين لكن الأصعب أن نملك الشجاعة لننظر إلى أنفسنا بصدق ونعترف بأننا ربما أخطأنا أو قسونا أو تمسكنا بما كان يجب أن نتركه منذ زمن.

الحياة لا تبقى على حال والأيام كفيلة بأن تكشف لنا أشياء لم نكن نراها. وقد يأتي وقت يدرك فيه الإنسان أن بعض المعارك لم تكن تستحق كل ذلك العناد وأن بعض الخصومات أخذت من عمره أكثر مما تستحق.

وربما لا ندرك قيمة هذه الحقيقة إلا عندما تضعنا الحياة أمام وجهها الآخر. ففي كل فترة نسمع عن شخص أصابه مرض لم يكن في الحسبان أو إنسان رحل فجأة وترك خلفه أهلًا وأصدقاء وذكريات كثيرة. بالأمس كان بينهم يتحدث ويضحك ويخطط لغده واليوم أصبح خبرًا يقال وذكرى تستعاد.

دروس لا ندركها إلا بعد فوات الأوان

وهنا يأتي السؤال الذي ربما نحتاج أن نسأله لأنفسنا قبل فوات الأوان:

ماذا لو كانت آخر كلمة بيننا وبين شخص نختلف معه كلمة قاسية؟ وماذا لو كان آخر لقاء فرصة للمصالحة وضاعت بسبب العناد؟ وماذا لو اكتشفنا بعد ذلك أن الأمر الذي خسرنا من أجله علاقة أو محبة أو سنوات من العمر لم يكن يستحق؟

الموت لا ينتظر أن ننتهي من خلافاتنا والمرض لا يسألنا إن كنا مستعدين والحياة لا تمنحنا دائمًا فرصة ثانية لنقول ما تأخرنا في قوله.

ولعل أجمل ما يذكرنا بقيمة الصفح قول الله تعالى:

﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾

آية قصيرة لكنها تضع أمام الإنسان سؤالًا عظيمًا: إذا كنت تحب أن يغفر الله لك فهل تستطيع أن تمنح غيرك شيئًا من العفو؟

وليس معنى أن نسامح أن نتنازل عن كرامتنا ولا معنى أن نلين أن نقبل الخطأ. هناك فرق بين حفظ الكرامة والعيش في الخصام وبين الثبات على المبدأ والعناد وبين حماية النفس وتحويل الألم إلى قسوة على الآخرين.

الانتصار الحقيقي على الذات

العاقل ليس من لا يخطئ فكلنا نخطئ وإنما العاقل من يستطيع أن يتوقف حين يكتشف خطأه وأن يراجع نفسه حين تتغير الصورة أمامه.

فالاعتذار ليس ضعفًا والتراجع عن الخطأ ليس انكسارًا بل قد يكون أحيانًا أعظم انتصار للإنسان أن ينتصر على عناده.

نحن لا نعرف كم بقي لنا من الوقت ولا متى تكون آخر صفحة في حكايتنا فلماذا نؤجل الخير؟ ولماذا نترك القلوب مثقلة بكلام كان يمكن أن نقوله بلطف؟

ربما نحتاج جميعًا إلى لحظة هدوء بعيدًا عن الضجيج نراجع فيها أنفسنا بصدق ونسأل:

هل كنت منصفًا؟
هل قسوت أكثر مما ينبغي؟
وهل أستطيع أن أصلح ما يمكن إصلاحه؟

فالوقت يمضي والأيام لا تعود وفي النهاية لن يبقى من كل هذه المعارك إلا أثر تركناه في قلب إنسان.

فليكن أثرنا رحمة لا وجعًا

اظهر المزيد

مفلح القحطاني

المدير العام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى