لم تبدأ نوبة الغضب عند صندوق المحاسبة

أصبحت أكره التسوق في أوقات الذروة.
وليس بسبب الزحام.
ولا بسبب طوابير المحاسبة.
ولا حتى بسبب البحث عن موقف للسيارة.
بل بسبب مشهد يتكرر أمامي كثيرًا، حتى أصبحت أتمنى ألا أراه مرة أخرى.
طفل صغير يمشي خلف أحد والديه في أروقة المتجر.
في يده قطعة شوكولاتة لا يتجاوز ثمنها بضعة ريالات.
أو لعبة صغيرة.
أو علبة عصير.
لا يطلب هاتفًا.
ولا جهازًا إلكترونيًا.
ولا شيئًا باهظ الثمن.
كل ما يريده شيء صغير، لكنه بالنسبة إليه يبدو العالم كله.
في البداية يطلب بهدوء.
“ماما… لو سمحت.”
“بابا… أبغاها.”
لا أحد يرد.
يعيد الطلب مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة.
ثم يبدأ صوته بالارتجاف.
ويمتلئ وجهه بالدموع.
ويستمر والداه في التسوق.
ينتقلان من رف إلى آخر.
يقارنان الأسعار.
ويختاران المنتجات.
ويتحدثان معًا.
بينما الطفل ما زال يبحث عن شيء واحد فقط…
إجابة.
ليس بالضرورة أن تكون:
“نعم.”
بل حتى:
“لا.”
فالطفل يستطيع أن يتقبل الرفض…
لكنه يجد صعوبة في تقبل التجاهل.
ومع مرور الدقائق، لا يعود يبكي لأنه يريد الشوكولاتة.
بل لأنه يشعر أن صوته لم يعد يصل إلى أحد.
ثم يصل الجميع إلى صندوق المحاسبة.
وهنا فقط…
ينفجر.
يرتفع صوته.
ويرتمي على الأرض.
ويبكي بكل ما بقي لديه من قوة.
وفجأة…
يلتفت الجميع إليه.
وتبدأ الأحكام.
“هذا طفل مدلل.”
“لو كان ابني لما فعلها.”
“جيل لا يعرف التربية.”
لكن أحدًا لم يشاهد العشرين دقيقة التي سبقت تلك اللحظة.
لم يروا محاولاته الأولى.
ولا نظراته المتكررة.
ولا دموعه التي كانت تنزل بصمت.
ولا قلبه الصغير وهو يظن أن تجاهله يعني أنه لا يستحق حتى جوابًا.
لقد رأوا الانفجار…
لكنهم لم يروا الاحتراق الذي سبقه.
الغريب أن كثيرًا منا مرّ بهذا الشعور وهو طفل.
وربما لا يزال يتذكره حتى اليوم.
ليس لأنه حُرم من قطعة الحلوى…
بل لأنه شعر يومها أن طلبه لم يكن يستحق حتى أن يُسمع.
وكم من شخص بالغ ما زال يتذكر موقفًا من طفولته، ليس لأن اللعبة كانت غالية، بل لأنها كانت رخيصة جدًا، ومع ذلك قيل له: “لا.”
أو الأسوأ من ذلك…
لم يُقل له شيء.
ربما كانت قطعة حلوى لا يتجاوز ثمنها ريالًا أو ريالين.
لكن الطفل لم يكن يحسب قيمة الريالات.
كان يحسب قيمة نفسه.
ومؤخرًا، انتشرت نصائح كثيرة على وسائل التواصل الاجتماعي تقول للوالدين:
“إذا دخل طفلك في نوبة غضب داخل المتجر، تجاهله.”
“لا تستجب له.”
“اتركه حتى يهدأ.”
لكن المشكلة أن هذه النصائح تبدأ من آخر القصة.
من لحظة الانفجار.
ولا تسأل كيف بدأت الحكاية أصلًا.
أنا لا أقول إن على الوالدين شراء كل ما يطلبه الطفل.
بل على العكس.
فالطفل يحتاج إلى الحدود، كما يحتاج إلى الحب.
لكن التربية لا تبدأ عند كلمة “لا”…
بل بالطريقة التي نقول بها هذه الكلمة.
يمكن أن يخبره والداه قبل دخول المتجر:
“اليوم لدينا مبلغ بسيط، ويمكنك اختيار شيء واحد ضمنه.”
فيتعلم أن المال له حدود، وأن الاختيار مسؤولية.
أو يقولان له:
“سنشتري احتياجات المنزل أولًا، وبعدها يأتي دورك.”
فيتعلم الصبر، وأن لكل شيء أولوية.
أو يقولان له:
“اليوم لن نشتري لعبة، لكن يمكنك اختيار عصير.”
قد لا يحصل الطفل على ما يريد…
لكنه يحصل على شيء لا يقل أهمية:
الاحترام.
والتفسير.
والشعور بأنه حاضر في الحوار.
فالطفل لا يحتاج إلى أن تتحقق كل رغباته.
لكنه يحتاج إلى أن يشعر أن مشاعره ليست عبئًا على والديه، وأن طلبه يستحق جوابًا، حتى لو كان الجواب بالرفض.
فالرفض الواضح لا يكسر الطفل…
أما التجاهل المتكرر، فقد يترك داخله أثرًا يبقى سنوات.
وربما لهذا السبب لم أعد أحب التسوق في أوقات الذروة.
لأنني لا أرى أطفالًا مدللين…
ولا أرى نوبات غضب.
أنا أرى أطفالًا استنفدوا كل الطرق الهادئة ليقولوا: “اسمعوني.”
ولم يبق لهم في النهاية…
إلا الصراخ.
كلام رائع، جعلني أفكر في الموقف و كيف ان التحليل مهم بدل الحكم على المواقف.
كلام ف الصميم
الحوار مطلوب