مقالات

ليست كل الإنجازات تُلبِس خاتمًا للفتاة..

لا تحتاج الفتاة إلى سنوات طويلة حتى تدرك أن المجتمع يضع أمامها مقياسًا واحدًا تقيس به نفسها. فمنذ طفولتها تسمع أن الزواج هو المرحلة التي تكتمل عندها الحكاية، ثم تكبر، ويكبر معها السؤال نفسه. في كل مناسبة عائلية، وفي كل زيارة، وفي كل لقاء، يعود السؤال بصيغة مختلفة، لكنه يحمل الرسالة ذاتها: متى يأتي دورك؟
ومع مرور السنوات، لا يبقى هذا السؤال مجرد حديث عابر، بل يتحول إلى ميزان خفي تبدأ الفتاة باستخدامه دون أن تشعر. تنظر إلى حياتها، وإلى ما حققته، ثم تضع كل ذلك في كفة، وسؤال الزواج في كفة أخرى. قد تتخرج بتفوق، وتحصل على وظيفة حلمت بها، وتبني مستقبلًا مهنيًا، وتحقق استقلالها المالي، وتتجاوز ظروفًا صعبة، ومع ذلك تشعر أحيانًا أن كل هذه الإنجازات تتوارى أمام سؤال واحد يتكرر أكثر من أي نجاح وصلت إليه.
لسنا ضد الزواج، ولا نقلل من مكانته، فهو رزق كريم، وسنة من سنن الحياة، ونعمة يتمناها كثير من الناس. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول إلى وحدة القياس الوحيدة عند بعض الناس التي يُنظر من خلالها إلى الفتاة، وعندما تصبح نظرات الشفقة، أو كلمات الاستعجال، أو المقارنات المستمرة، وكأنها تخبرها أن سنوات عمرها لا قيمة لها إلا إذا انتهت بعقد قِران.
والحقيقة أن الحياة لا تقف بانتظار الزواج. ففي الوقت الذي يظن فيه البعض أن الفتاة لا تفعل سوى الانتظار، في الواقع تكون هي منشغلة ببناء حياتها, فهناك من تواصل تعليمها، وأخرى تثبت نفسها في عملها، وثالثة تؤسس مشروعًا خاصًا، ورابعة تعتني بوالديها، وأخرى تتعافى من تجربة قاسية، أو تعيد بناء ثقتها بنفسها، أو ترتب مستقبلها المالي.
هذه ليست سنوات ضائعة، بل سنوات تُبنى فيها الشخصية، ويكتمل فيها النضج، ويزداد فيها الإنسان خبرة وصلابة.
وهناك إنجازات تستحق الاحتفال تمامًا كما يُحتفل بالزواج. فكم من فتاة كان يوم تخرجها بداية قصة نجاحها، وكم من أخرى صنعت اسمًا في مجالها، أو حصلت على أول راتب بعد سنوات من الاجتهاد، أو أسست مشروعًا وفر فرص عمل لغيرها، أو أصبحت سندًا لأسرتها، أو تركت أثرًا في حياة الناس بأياديها البيضاء، ومبادراتها، وأعمالها الإنسانية.
هذه الإنجازات ثمرة سنوات من التعب، والانضباط، والإصرار، والعمل. لكنها لا تحظى بالاحتفاء نفسه الذي يحظى به الزواج، لأن البعض بالمجتمع اعتاد أن يصفق للخاتم أكثر مما يصفق لسنوات الكفاح التي سبقته.
ومن أكثر ما يرهق فتاتنا المقارنة المستمرة. فلانة تزوجت، وفلانة أنجبت، وفلانة سافرت مع زوجها. لكن المقارنة لا ترى إلا المشهد الظاهر، ولا ترى القصة كاملة. لا أحد يعرف ما يحدث خلف أبواب البيوت، ولا حجم التنازلات، ولا طبيعة العلاقات، ولا مقدار الطمأنينة أو القلق الذي يعيشه أصحابها.
فليس كل زواج سعيدًا، كما أن تأخر الزواج ليس تعاسة بالضرورة فلعله خِيرة.
ولهذا، لا يصح أن نعامل الزواج وكأنه الجائزة الكبرى التي تحدد قيمة الفتاة. ولا أن تتحول الحالة الاجتماعية إلى بطاقة تقييم. فقيمة الفتاة لا تُقاس بخاتم في يدها، وإنما بما تحمله من أخلاق، وعلم، ونضج، ومسؤولية، وأثر، و برّ , وقدرتها على بناء حياة نافعة لها ولمن حولها.
وأحيانًا يكون القرار الأكثر حكمة أن تنتظر الفتاة الشخص المناسب، بدل أن تستجيب لضغط الأسئلة ونظرات الشفقة. فإرضاء الناس قد يستغرق دقائق، أما تحمل تبعات اختيار خاطئ فقد يستمر سنوات.
لذلك، خففوا عن الفتيات. لا تجعلوا سؤال “متى تتزوجين؟” يطغى على كل ما أنجزنه، ولا تنظروا إلى سنوات انتظارهن بعين الحسرة، وكأن العمر توقف عند محطة واحدة. فكل إنسان يسير في رزقه بالوقت الذي كتبه الله له، ولكل حياة توقيتها المختلف.
فالحياة لا تسير في مسار واحد، ولا تتشابه فيها الأرزاق، ولهذا فلنتوقف عن قياس الفتاة بموعد زواجها، بينما تمتلك عشرات المساحات التي يمكن أن تُزهر فيها.

اظهر المزيد

‫6 تعليقات

  1. المجتمع أحيانًا لا يقصد الأذى، لكنه قد يكون قاسيًا بأسئلته المتكررة.

    منذ الطفولة تبدأ الأسئلة: متى تكبرين؟ ثم متى تتخرجين من الثانوية؟ وبعدها متى تتخرجين من الجامعة؟ ثم متى تتوظفين؟ ومتى تتزوجين؟ ومتى تنجبين؟ وإذا أنجبتِ، فمتى الثاني؟ ثم الثالث؟ وبعدها تبدأ الأسئلة عن الأبناء: لماذا لم يتكلم بعد؟ ولماذا لم تمشِ ابنتك؟ وكأن حياة الإنسان سلسلة لا تنتهي من المواعيد التي يجب أن يحققها وفق توقعات الآخرين.

    الحقيقة أن لكل إنسان مسيرته الخاصة، ورزقه الذي كتبه الله له، وظروفه التي لا يعلمها إلا هو وربه. وليس من العدل أن نحوّل حياته إلى قائمة انتظار أو جدول زمني نقيس به نجاحه.

    المجتمع الذي نحتاجه هو المجتمع الذي يمتلك ذكاءً عاطفيًا، ويحترم خصوصية الآخرين، ويعرف أن السؤال ليس واجبًا دائمًا، وأن الصمت أحيانًا يكون ألطف من ألف نصيحة.

    حتى النصيحة نفسها لها وقتها؛ فهي تكون أجمل عندما يطلبها صاحبها، لا عندما تُفرض عليه في كل لقاء وأمام الجميع.

    فلنترك الناس يعيشون حياتهم بإيقاعهم، ونشاركهم أفراحهم حين يختارون مشاركتها، بدل أن نحمّلهم ضغط توقعات لا تنتهي.

  2. للاسف كلام صحيح والله مدري متي تتغير الافكار ولازم يعرف الانسان ما ياخد الا نصيبه بالدنيا والمكتوب له .
    يعطيكي مليون عافيه اموله.

  3. فعلا كلام جميل وفي محله الصحيح. الزواج سنه الحياه لكن العلم يبني العقول ويصنع الأمم. العلم نور دائم بينما الزواج قد يعتريه الفتور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى