هل مـا زال حـولك أُنـاس طـيبون ؟

لقد أصبح من السهل أن تجد من يُحذِر من الطيبين أكثر مما يُحذِر من المؤذين.
نسمع عبارات مثل:
“لا تثق بأحد.”
“الطيب يُؤكل.”
“الناس لا تستحق.”
ومع تكرار هذه الرسائل، بدأ البعض ينظر إلى اللطف وكأنه سذاجة، وإلى حسن النية وكأنه ضعف، وإلى الكرم وكأنه نقص في الذكاء.
لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا من ذلك.
فالإنسان الطيب ليس هو الذي يسمح للآخرين باستغلاله، ولا هو الذي يعجز عن قول “لا”، ولا هو الذي يرضى بالإهانة. فالطيبة ليست غياب الشخصية، وإنما حضور الأخلاق.
والفرق كبير بين شخص لا يؤذي لأنه ضعيف، وشخص لا يؤذي لأنه اختار ألا يؤذي وهو قادر على ذلك.
ومع ذلك، تبدو حياة الطيبين اليوم أصعب مما كانت عليه. ليس لأنهم أقلية، بل لأن كثيرًا منهم أصبحوا يعيشون في بيئات اعتادت على نوع آخر من العلاقات؛ علاقات تقوم على السيطرة، والضغط، والخوف، والمصلحة. وعندما يدخل إليها شخص صادق، ومتعاون، وواضح، يبدو غريبًا، وكأنه لا ينتمي إلى قواعد اللعبة.
ولهذا، كثيرًا ما يُساء فهم الإنسان الطيب. فإذا سامح، قيل إنه لا يعرف الدفاع عن نفسه. وإذا تعاون، اعتُبر متاحًا لكل الطلبات. وإذا استمع، أصبح مستودعًا لمشكلات الجميع. وإذا نجح، نُسي لأنه لا يطالب بحقه بصوت مرتفع.
ومع مرور الوقت، يتحول لطفه إلى واجب في نظر الآخرين. فلا يعود شكرًا على ما يقدمه، بل توقعًا دائمًا بأن يقدم المزيد. وإذا اعتذر مرة، أو وضع حدًا، أو قال: “لا أستطيع”، تفاجأ البعض، وكأن الطيب لا يحق له أن يتعب، أو يرفض، أو يحمي وقته.
وهنا تبدأ خسارة لا ينتبه إليها كثيرون.
فالناس لا يخسرون الطيبين دفعة واحدة، بل يخسرونهم بالتدريج. بكثرة الأخذ دون تقدير، وبالاعتماد عليهم في كل مرة، وبالسكوت عن حقوقهم لأنهم “لن يشتكوا”. حتى يأتي يوم ينسحبون بهدوء، لا لأنهم تغيروا، بل لأنهم أدركوا أن الطيبة لا تعني أن يعيش الإنسان مستنزفًا.
ومن المفارقات النفسية أن بعض الناس يشعر براحة أكبر مع الشخص الذي يفرض نفسه عليه، بينما يتردد أمام الشخص اللطيف. فقد اعتاد منذ سنوات على العلاقات التي تقوم على السيطرة أو الخوف أو السعي الدائم إلى القبول، حتى أصبح التعامل الهادئ يبدو له غير مألوف. وما تعود عليه الإنسان طويلًا قد يختلط في داخله بمعنى الأمان، حتى وإن كان يؤذيه.
ولهذا، فإن الحفاظ على الطيبين لا يكون بالثناء عليهم فقط، بل باحترام حدودهم، وتقدير ما يقدمونه، وعدم تحميلهم ما لا يطيقون، وعدم افتراض أن صبرهم لا ينفد.
فالمجتمعات لا تبنى بالأقوياء وحدهم، ولا بالأذكياء وحدهم، بل تحتاج أيضًا إلى أولئك الذين ما زالوا يختارون الصدق، والرحمة، والوفاء، رغم أن العالم يمنحهم كل يوم سببًا ليكونوا عكس ذلك.
ويبقى السؤال الذي يستحق التأمل:
إذا أصبح الإنسان الطيب نادرًا…
فهل المشكلة في الطيبين؟
أم في عالمٍ لم يعد للطيبين مكانٌ فيه؟
لا للاسف
مقال يلامس الواقع بشرارة من العقلانية والعمق النفسي. أبدعتِ أستاذة أمل في وضع اليد على الجرح؛ فالطيبة لم تكن يومًا ضعفًا أو سذاجة، بل هي خيار أخلاقي شجاع في عالم يتجه أحيانًا نحو المادية والمصلحة.
> أعجبني جدًا التنبيه إلى نقطة ‘الانسحاب الهادئ’ للطيبين؛ فالإنسان اللطيف لا يتغير فجأة، بل يبتعد حين يجد أن عطاءه أصبح يُعامل كواجب مفروض لا كفضل مُقدَّر. الحفاظ على هذه الفئة النبيلة في حياتنا مسؤولية تبدأ من احترام حدودهم وتقدير وجودهم قبل أن نفقدهم.
> شكراً على هذا الطرح الإنساني البديع الذي يعيد تعريف الأمان في العلاقات.”
>
❤️❤️❤️
❤️❤️❤️
أجمل ما قرأت اليوم.
أجمل ما قرأت اليوم
الاحترام أهم من استغلال اللطف
الطيبة تحتاج وعي و حدود
الطيب لا يتغير بل يتوقف عن كونه عرضه للاستنزاف
مقال رائع جدا
الحدود لا تلغي الطيبة بل تحميها
كلام عميق و يستحق التأمل
ليس كل صامت ضعيف
الطيبون نعمة لا تعوض
من يقدر الطيبين لا يخسرهم أبدا