النقوش والزخارف النجرانية.. هوية معمارية وثقافة فنية متوارثة

نجران _ رحيمه بخيت
تقف البيوت والقصور الطينية القديمة في منطقة نجران دليلًا حيًا على حضارة قديمة تجمع بين براعة البناء وجمال الفن المعماري، فلم تكن هذه البيوت مجرد مسكن للإنسان النجراني، بل تحولت مع مرور الزمن إلى أعمال فنية تنبض بالحياة؛ إذ تزينت جدرانها ومداخلها بنقوش وزخارف مميزة تشكل جزءًا أساسيًا من هويتها البصرية، مما يبرز طبيعتها المعمارية الاستثنائية التي أصبحت اليوم تجذب السياح والمهتمين بالتراث الثقافي.
وتتباين الزخارف في العمارة النجرانية ما بين المجسمات البارزة والرسومات الهندسية والرمزية، وتظهر “الأفاريز” كإطارات وخطوط زخرفية تبرز حول الرفوف والأبواب والنوافذ والمداخل، مما يضفي عمقًا بصريًا يساعد على كسر رتابة الجدران الطينية.
وأوضح الخبير المحلي في البناء التقليدي ناصر مبارك الصقور، أن الزخارف لم تكن مقتصرة على الجمال فحسب، بل كانت لها أبعاد وظيفية أيضًا، فاستخدم البنّاء النجراني الطين الممزوج بالتبن أو بمادة “الأشنان” الأكثر صلابة ودقة لتشكيل عناصر معمارية مثل “الشراريف”، وهي المثلثات المفرغة التي تزين أسطح المباني بارتفاعات مدروسة، مما يساعد على حماية الجدران من مياه الأمطار، ويضيف لمسة جمالية تعكس عظمة البناء، فيما تميزت النقوش النجرانية بألوان دافئة ومبهجة، مستلهمة أساسًا من ألوان الطبيعة مثل الأحمر والأخضر والأصفر والأسود.
وبين أن العمارة في نجران استلهمت ألوانها من البيئة المحيطة بها من خلال تقنيات مبتكرة. فمثلًا، يُحصل على اللون الأخضر من غلي نبات “البرسيم” وتركيز سائلة، بينما يُستخرج اللون الأحمر من الرمان وبعض الصخور الغنية بأكسيد الحديد، أما اللون الأسود، فيستخرج من القطران المستخرج من بعض النباتات، لافتًا إلى أن الموقع الجغرافي لنجران ممرًا للقوافل التجارية وطرق الحج إسهام في إثراء هذه الألوان، حيث كان الحجاج من اليمن والهند وباكستان يجلبون معهم أصباغًا خفيفة الوزن وقيمة مثل “النيلة الزرقاء” ومساحيق ملونة أخرى تُباع في الأسواق المحلية، مما أضاف تنوعًا فريدًا للألوان التقليدية.